٩ ديسمبر ٢٠١٤
تراقب الدول العربية، بحذر شديد، تطورات التفاوض الإيراني الأميركي، وتذهب معظم التحليلات إلى أن هذا المتغير العلاقاتي، في حال تحققه، سيكون له أثر سلبي كبير على الوضع العربي، وربما يساهم بإعادة صياغة النظام الإقليمي في المنطقة، وخصوصاً وأنه يتزامن مع الاعتقاد بوجود توجهات أميركية لفك الارتباط مع المنطقة، نظراً لتراجع قيمتها الإستراتيجية، والتوجه، تالياً، إلى تلزيمها لطرف إقليمي قوي، بعد أن يصار إلى صنع ترتيبات معينة، تساعد على إنتاج هذا الواقع.
نظرياً، لا يمكن استبعاد مثل هذه الاحتمالات، فالعلاقات بين الدول، في ظل التفكير الواقعي الذي يحكم حقل العلاقات الدولية، محكومة بالمصالح المشتركة للأطراف، وهذه تحكمها المتغيرات السياسية والتقنية والاقتصادية، ذات الطبيعة المتحركة وغير الثابتة، وعلى ضوء ذلك، لا يمكن استبعاد حصول تطورات مهمة في العلاقة بين واشنطن وطهران، وخصوصاً في القضايا التي تتقاطع فيها مصالح الطرفين.
وفي التطبيق العملي لممكنات هذا التطور العلاقاتي، ومجالاته، فإنه يصعب إدراجها في الفضاء العربي، لأسبابٍ، يتنافى بعضها مع منطق العلاقات الدولية، ويقع بعضها خارج قدرة الطرفين على تحقيقه، إذ من غير المنطقي أن تفاوض واشنطن طهران على ساحات تملك النفوذ فيها، ولها مصالحها القائمة حتى أمد مستقبلي بعيد، وتشكل جزءاً من أعمدة قوتها على الصعيد الدولي، كما تدرك كل من واشنطن وطهران أن النفوذ في المنطقة لا يتم منحه جائزة ترضية، ذلك الأمر تحكمه ديناميات داخلية، يظهر حتى اللحظة صعوبة التحكم بها.
الأقرب إلى المنطق أن التأثير السلبي لتطور العلاقات الأميركية الإيرانية سيكون على الدور والمكانة الروسية في المنطقة والعالم، وستجري ترجمته بتأهيل إيران للعب دور البديل عن روسيا، في سد احتياجات الغرب الأوروبي من الطاقة، وفي هذا ستلعب واشنطن على وتر طموحات طهران ورغباتها في التقارب مع الغرب، وتحويلها إلى أكبر مورد للطاقة إلى أوروبا واحتلال الدور الروسي في هذا المجال، وينطوي هذا الأمر على حزمة من الأهداف الغربية، فعدا عن إضعاف روسيا اقتصاديا، تقوية التيار الإيراني المعتدل واحتواء إيران، اقتصاداً ومجتمعاً، عبر تشبيك اقتصادها بمنظومة الاقتصاد الغربي، وتنمية القطاعات التي تقدم خدمات للغرب، كالطاقة والسياحة.
تدرك واشنطن هشاشة العلاقات الإيرانية الروسية، فهي، وإن بدت في لحظة متينة في الشكل، إلا أنها تأسّست على مبدأ "تحالف الضرورة" بالدرجة الأولى، كما أنها تنطوي على تناقضات عميقة، تمثل إشكالات نائمة، من السهل إعادة إحيائها عبر إطلاق دينامية تنافسية بين البلدين، تعيد وضع تلك التناقضات على السطح، والتي من أهمها الخلاف على توزيع حصص ثروات بحر قزوين، حيث تقف روسيا مع كازاخستان وأذربيجان في خلافهما مع إيران، كما توجد إيران في المناطق التي تعتبرها روسيا تقليدياً مجالاً خاصاً لمصالحها الاستراتيجية والتاريخية، مثل مناطق آسيا الوسطى والقوقاز، وبحر قزوين وسورية، وبالتالي، فإن تصادمهما محتمل على الدوام، كما لم يعمل الطرفان، جدياً، على تثبيت آليات لتطوير العلاقات بينهما، وجرى إدارتها على أساس "قضية تلو الأخرى"، في إطار توظيف كل منهما الآخر في علاقاته مع الغرب.
“ ستلعب واشنطن على وتر طموحات طهران ورغباتها في التقارب مع الغرب "
على مدار سنوات سابقة، صاغت كل من طهران وموسكو علاقاتهما البينية بحذر، وبتناسب عكسي، مع تطور علاقاتهما الغربية، وكان كل طرف منهما مستعد لبيع تلك العلاقة في سوق تفاوضه مع الغرب، وبناءً على ذلك، أسّسا منظومة علاقات مشرّعة نوافذها لاختراق غربي، كانا يستجلبانه، واليوم يمثّل لهاث طهران خلف دور إقليمي، أحد أكبر مداخل الاختراق الغربي لعلاقتها مع روسيا، ذلك أن تأهيل إيران لتكون البديل عن روسيا في مجال تزويد أوروبا بالطاقة، يعتبر أفضل بديل عن صناعة القنبلة النوويّة، ثم أن إيران، في نظر الغرب، لا تشكّل خطراً مثل روسيا، إذ على الرغم من امتلاك إيران نفوذاً معيناً في الشرق الأوسط، فإن معادلات هذه المنطقة أعقد من أن تتحكّم بها إيران، وحالة الاختلال في ميزان القوة لصالح إيران مؤقتة وعابرة، وكفيلة بإصلاح نفسها مع الزمن، كما تستطيع أميركا إدارتها وضبطها في إطار الصراع السني الشيعي الذي سيكون العنوان الأساسي للمنطقة عقوداً مقبلة، ويمكنها وضع آليات لاستمرار استنزاف إيران، وهي ترى أن ثمة تشكيلات جديدة تلد في المنطقة، ولا يمكن وقفها، وهي كفيلة بامتصاص فوائض ايران المستقبلية من الطاقة. غير أنّ لعب واشنطن على خط العلاقات الروسية الإيرانية، من شأنه تغيير المعادلات العالمية التي تتشكل، في الوقت الراهن، والتي تشكّل روسيا وإيران واحدة منها، ذلك أن إطلاق دينامية التنافس بينهما، بهذه الحدة، سيتحول مستقبلياً إلى صراع مؤكد على الأدوار ومناطق النفوذ، وسيكون بداية لتفكيك منظومة القوة المقابلة لأميركا في النظام العالمي، والتي تتمثل بدول "البريكس"، والتي تشكل روسيا وإيران أحد أصلب أعمدتها.
يبدو أن موسكو كانت الأكثر قدرة على قراءة التطور في العلاقة بين طهران وواشنطن، فسارعت إلى تركيا، لتوقيع اتفاقات اقتصادية، في محاولة استباقية لضرب مشروع الطاقة الإيراني البديل، والذي قد يمر عبر الأراضي التركية، كما بدأت بمحاولة إعادة صياغة الواقع السوري لمصلحتها، عبر إيجاد بنية سياسية قريبة لها، تعبر من خلالها إلى تسويةٍ تضمن مصالحها على البحر المتوسط.
٩ ديسمبر ٢٠١٤
ماذا يريد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من نظيره التركي، رجب طيب أردوغان؟ وماذا يريد أردوغان من بوتين؟ سؤالان هما سؤال واحد، يطرح بقوة مع زيارة بوتين إلى تركيا. ربما الجواب معروف للجميع، بوتين يريد من أردوغان تغيير سياسته تجاه الأزمة السورية، فيما يريد أردوغان الشيء نفسه من بوتين. ولكن، كل طرف بالاتجاه الذي يريده، ما يبدو غير ممكن في ظل الاختلاف الاستراتيجي في سياسة البلدين تجاه الأزمة السورية. فروسيا تتمسك بالنظام السوري حتى النهاية، فيما تركيا تريد إسقاطه. لكن هذا الاختلاف أو التنافض لا يفسد ود المصالح الاقتصادية الكبيرة بين البلدين، على الرغم من أن العلاقات التركية - الروسية تقف على بحر من العداء التاريخي منذ الحروب المتتالية بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية، مروراً بمرحلة الحرب الباردة، عندما كانت تركيا تقوم بدور الشرطي الأطلسي في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق.
تأتي زيارة بوتين إلى تركيا في إطار الاجتماعات الدورية لمجلس التعاون الاستراتيجي الأعلى الذي تأسس بين البلدين عام 2010، وتأتي في وقت حساس لجهة العلاقات التركية – الأميركية التي توترت أكثر، بعد زيارة نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى تركيا، وما وصف أردوغان حليفه الأميركي بالوقاحة ومطالبه اللامتناهية إلا تعبيراً عن هذا التوتر، وعن تناقض الأجندة إزاء ما يحدث في سورية والعراق، ومنطقة الشرق الأوسط عموما، وهي لحظة ربما يستفيد منها بوتين، ويحاول استغلالها في التقرب من تركيا أكثر فأكثر، سياسة واقتصاداً.
من دون شك، تشكل العلاقات الاقتصادية والمصالح المشتركة الكبيرة بين البلدين، عاملاً مهماً لدفع هذه العلاقات إلى الأمام، خصوصاً إذا ما علمنا أن روسيا هي الشريك التجاري الأول لتركيا، بعد أن بلغ حجم التجاري بين البلدين نهاية العام 2013 أكثر من 30 مليار دولار، وتؤمن تركيا ما بين 60 إلى 70% من مواردها في مجال الطاقة من روسيا التي هي الدولة الأهم المصدرة للغاز في العالم. لكن، على الرغم من أهمية هذا العامل الاقتصادي، ودوره في تحسين العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياحية بين البلدين، فإن ثمة صراعا مريرا على مناطق استراتيجية عديدة في العالم، ولا سيما الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز التي تعوم على بحر من النفط والغاز، حيث الصراع العالمي على مد خطوط الطاقة من هذه المناطق إلى الدول الأطلسية، بشقيها الأوروبي والأميركي.
" ستعمل روسيا التي تخوض صراعاً استراتيجياً مع الغرب، وانطلاقا من مصالحها الاستراتيجية، من أجل عدم تكرار التجربة الليبية في سورية "
القيادة الروسية، وانطلاقا من مصالحها، موقفها واضح من الأزمة السورية، لعل أهم معالمه الرفض المطلق للتدخل العسكري، والتمسك بإيجاد حل سلمي، عبر مرحلة انتقالية، من خلال حوار يفضي إلى مثل هذا الحل، حيث طرحت مراراً اتفاق جنيف واحد أساساً يمكن الاعتماد عليه للحل، وهو ما كررته موسكو في أثناء زيارة وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، أخيراً، إلى روسيا التي تعمل على إعداد مبادرة للعودة إلى الحوار مجددا، في حين القيادة التركية التي قطعت كل علاقاتها مع النظام السوري، وانخرطت في الأزمة السورية، واحتضنت، منذ البداية، المجلس الوطني السوري، ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والجيش الحر، وباقي المجموعات المسلحة التي تعمل لإسقاط النظام السوري بكل قوة.
تخشى روسيا التي تحارب في سورية دفاعاً عن مصالحها الاستراتيجية من البعد الإيديولوجي لتداعيات صعود الحركات الإسلامية المتشددة، من أمثال داعش والنصرة، ولا سيما في ظل وجود نحو 50 مليون مسلم في جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت، حتى وقت قريب، جزءا من الأراضي الروسية. روسيا هذه تنظر بعين الخوف إلى تداعيات هذه السياسة على أمنها القومي. وفي مواجهة ذلك، تعمل، بقوة وعلى مختلف المستويات، لبقاء النار المشتعلة خارج أراضيها، وهي حجة ستدفع بوتين إلى الطلب من أردوغان اتخاذ مزيد من الإجراءات ضد هذه التنظيمات، باسم مكافحة الإرهاب، ولو بطريقة مختلفة عن حرب التحالف الأميركي – العربي ضد داعش. وفي المقابل، سيحاول أردوغان القول لبوتين إن المعطيات والمتغيرات والوقائع بشأن الأزمة السورية تغيرت، وإن على موسكو الاستجابة لذلك كله، بعد كل هذا القتل والدمار، لكن الثابت أن روسيا التي تخوض صراعاً استراتيجياً مع الغرب، وانطلاقا من مصالحها الاستراتيجية، ستعمل من أجل عدم تكرار التجربة الليبية، ولعل ما يدفعها إلى اتخاذ هذا الموقف حتى النهاية هو الموقف الغربي، وتحديدا الأميركي من الأزمة السورية. معادلة لن تجعل من لقاء بوتين – أردوغان، في شقه السوري، سوى لقاء تثبيت المواقف لا أكثر، فأردوغان لا يستطيع التراجع عن مواقفه، بعد أن قطع العلاقات نهائيا مع النظام السوري، وأصبح إسقاطه هدفاً لا محيد عنه، فيما لن يقدم بوتين هدية مجانية له، خصوصاً وأنه يتحدث من منطلق الحاكم القيصري والدولة الاستراتيجية القوية.
٩ ديسمبر ٢٠١٤
قد تكون الأفكار التي يروجها المبعوث الدولي لسوريا دي ميستورا، بشأن الأزمة، محبطة في واقعيتها وبراغماتيتها الشديدة، بشأن تجميد الأزمة، كما يقال، عند خطوط القتال الحالية، لإعادة الحياة إلى طبيعتها، ثم الانتقال بعد ذلك إلى البحث عن حل سياسي، لكنها قد تكون الخطة الواقعية المتاحة حاليا، رغم ما قد تسببه من إحباط للمعارضة السورية التي شاركت في مؤتمري «جنيف 1» و«جنيف 2» على أمل التوصل إلى اتفاق يتيح حلا يقوم على تغيير النظام.
خطة تجميد الأزمة لا تقدم أفقا سياسيا واضحا إلى الأمام أو طريقا يبدو له آخر، وإنما هي تكريس الأمر الواقع الحالي حيث لا يستطيع طرف أن يقلب الطاولة على الآخر، والبناء على نظرية تقليص الخسائر ووقف النزيف لأن استمرار القتال ليس له نتيجة سوى سقوط المزيد من القتلى وحدوث المزيد من الدمار دون حسم ما لم يحدث تغيير جذري في المعطيات الدولية والإقليمية الحالية وتدفقات السلاح والدعم للجانبين.
لكن المشكلة في سوريا أصبحت أن الخيوط فيها باتت شديدة التعقيد، وبدت أنها خرجت عن السيطرة، فخطوط القتال تتحول شيئا فشيئا إلى مواجهة بين جانبين أسوأ من بعضهما، ميليشيات تابعة لتنظيمات شديدة التطرف وتصدر الإرهاب إلى المنطقة كلها، وقوات نظام مسؤول عن تعقد الأزمة إلى هذا الحد، في حين أنه لو كان استخدم أساليب سياسية في التعامل مع المحتجين واستجاب لطلباتهم منذ بداية الانتفاضة لم تكن الأمور لتصل إلى هذا الحد.
تعقد الخيوط لم يعد يقتصر على الأرض، فقد انتقل إلى الجو، حيث أصبحت هناك في آن واحد غارات للنظام والتحالف، ودخلت أخيرا إسرائيل على الخط، بينما الأطراف المتعاملة مع الأزمة نقاط الاختلاف بينها أكثر من نقاط الاتفاق، وخاصة بالنسبة إلى تركيا التي يوجه رئيسها كل فترة تقريعا إلى واشنطن لأنها لا تستجيب لطلباته في فرض منطقة حظر جوي.
وهنا يجب ملاحظة الفارق الكبير في الخطاب المستخدم والأفكار المطروحة قبل عامين والآن، وهو أمر لو درسته كل الأطراف المعنية أو المتداخلة في الأزمة السورية، بما فيها المعارضة نفسها، فإن ذلك قد يكون بداية الحل، لأنه كما يبدو فإن ما كان مطروحا في المرحلتين اللتين قادتا إلى «جنيف 1» و«جنيف 2» استندت كما يبدو إلى معطيات وتصورات خاطئة. وكما هو واضح، فإن أكبر خطأ حدث هو أنه في البداية كان في مخيلة كثيرين في المعارضة السورية، أو إقليميا، سيناريو شبيه بتدخل الناتو في ليبيا بما يمكن من قلب الموازين على الأرض بشكل سريع نحو انتصار عسكري حاسم، وهو أمر لم يحدث، كما أن نظام القذافي لم يكن لديه شبكة حلفاء مستعدين لتقديم الدعم والسلاح لأكثر من ثلاث سنوات كما حدث في تلك الأزمة.
كل ذلك أصبح تاريخا، وأصبحنا نواجه بمشكلة ينظر إليها العالم على أنها خطر إرهابي يحتاج إلى مواجهة شاملة لدرء أخطاره، بما في ذلك تدريب فصائل من المعارضة المعتدلة لمواجهته، وكذلك مشكلة لاجئين أصبحت تئن تحت وطأتها دول الجوار بعد وصول أرقام اللاجئين إلى ملايين، خاصة في دولة صغيرة مثل لبنان، ونضوب موارد وكالات الإغاثة والإعاشة التي تحتاج إلى تدفقات مالية مستمرة من أجل إعاشة اللاجئين.
وفي الحالتين فإن أساليب المعالجة لا تقدم حلا نهائيا، فقد تستمر الغارات لسنوات في مواجهة شبح الإرهاب الذي يستخدم أساليب حرب العصابات والفراغ الأمني في المناطق التي يتحرك فيها، والحالة اليائسة للسكان، بينما أسوأ وضع يمكن أن يتعرض إليه الإنسان هو أن يصبح لاجئا في مخيم في بلد آخر دون أن يعرف ما إذا كان سيستطيع أن يعود يوما ما إلى منزله وبلده، ويتحول شيئا فشيئا إلى عبء على الآخرين، وفي مثل وضع كهذا يكون الوصول إلى حل سياسي يقلص خسائر البلد والشعب أمرا ملحا، وربما قد تفتح أفكار التجميد الطريق لمثل هذا الحل.
٩ ديسمبر ٢٠١٤
إشهدوا بأن أشقاءنا السوريين لم يتركوا أحدا منا يوما ينصب خيمة له على مشارف مدنهم، أو على طول الحدود الفاصلة بينهم وبين الأقطار المجاورة. إن لم تعلموا فأقروا التاريخ الحديث والقريب جدا، ستجدون أفواج اللاجئين الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين دخلوا عليهم بالملايين، لكنهم بمجرد دخولهم تحولوا من لاجئين إلى مواطنين أسوة بأبناء البلد.
سكنوا في كل الأحياء والمدن والقرى والأرياف، وعملوا في كل المهن البسيطة والعالية، وزاحموا أبناءهم على مقاعد الدراسة في كل المدارس والجامعات، وتطببوا في كل المستشفيات والمراكز الصحية، ولم نسمع كلمة «أف» واحدة من مواطن سوري. نحن لا نتحدث في السياسة في هذا الجانب لأنها هي من فرقتنا، ولا يفهم أحد بأننا نشير إلى بركات النظام السوري، فهو كحال بقية الأنظمة العربية التي زرعت الفرقة بيننا، فلا علاقة للنظام بهذا، بل هو مزاج أهلنا في سوريا على مر التاريخ، ولا نقول بأن لهم فضلا على أحد من كل أولئك الذين لجأوا اليهم، فحاشى السوريين أن يعتبروا ذلك فضلا، لانهم يؤمنون أيمانا راسخا بأنه كان واجبهم تجاه أشقاء لهم، لكننا نقول، أي عار هذا الذي يلاحقنا نحن أبناء هذه الأمة، حينما نترك ملايين الأطفال اليتامى والأرامل والشيوخ والمرضى من السوريين، يواجهون الشتاء القارس في الصحارى على الحدود وعلى أطراف مدننا العربية؟ وأي جحود هذا الذي يدفعنا لنسيان كل روابط الدم والتاريخ والدين وحتى الرابطة الإنسانية، إلى الحد الذي جعل برنامج الغذاء العالمي يعلن عن إيقاف معوناته للاجئين السوريين الأسبوع الماضي، بعد أن نفد ما لديه من شحيح المال، وتراجع المانحون عن التزاماتهم، فيمر علينا الخبر مرور الأثير ولا يحرك فينا بقية غيرة أو وفاء؟ هل علمتم ما معنى إيقاف المساعدات الغذائية في هذا الوقت بالذات؟ إنه يعني بقاء أكثر من مليون وسبعمئة الف أنسان بدون طعام، وان هنالك ما يفوق 132000 أسرة و660000 لاجئ، سيفقدون فرصة الحصول على مساعدة لاتقاء برد الشتاء القارس فقط في لبنان، وعليكم أن تتصوروا العدد الإجمالي، عندما نضيف اليهم الأخرين في الأردن، ومن يسكنون الدور والمساجد والبنايات المدمرة في الداخل السوري. أحصوا معنا ما يهدر من أموال في أقطارنا العربية على الأعياد الوطنية، وعلى استضافاتنا لسباقات «الفورمولا واحد» وكرة اليد والخيول والهجن، وعلى بناء أعلى برج وأطول جسر وأعرض شارع وردم بحر كي نبني عليه فندقا وملعب تنس.. تذكروا الأرقام الفلكية التي ذهبت لشراء أسلحة وطائرات وصواريخ، لم تخرج من أماكنها يوما، حتى باتت غير صالحة للاستعمال ثم استبدلوها بأحدث.. إبحثوا في تقارير مراكز البحوث الغربية عن حجم الأموال التي ستخرج من الخزائن العربية لتسديد فواتير ما يسمى الحرب العالمية على الإرهاب القائمة الآن، التي قررتها ورسمتها ونفذتها الولايات المتحدة لتأمين مصالحها في المنطقة، ثم التحقنا بها مجـــــبرين كي نسدد مصروفاتها، علّنا نحصل على شهادة حسن سلوك من المجرم الأول في العالم.
كم يمثل مبلغ قدره 64 مليون دولار هو الذي يطلبه برنامج الغذاء العالمي، لتغطية الحاجات العاجلة للاجئين السوريين لمواجهة الظروف المناخية الصعبة في فصل الشتاء، نسبة إلى أرقام المبالغ الخيالية التي يتم صرفها من قبل هذه الأنظمة؟ إننا لاندعو للانغلاق والتقوقع والانعزال عن العالم ومستحقات العلاقات الدولية، وبناء عوامل جذب للآخرين للاستثمار في أقطارنا، وتنفيذ مشاريع ضرورية وترفيهية، لكننا نستغرب على أنظمتنا وولاة أمورنا أن يتركوا أشقاءنا تحت رحمة الدول المانحة، التي تخلت عن التزاماتها بتسديد تعهداتها خلال المؤتمرين الأول والثاني، ما جعل عقد المؤتمر الثالث أمرا مستحيلا. ما فائدة الاستثمار في الأرض بدون الاستثمار في الإنسان، الذي هو القيمة العليا والهدف الرئيسي من كل مشاريع الاستثمار؟ أليس عملا إرهابيا ترك ملايين الأفواه لا تجد ما تقات عليه؟ أليس إرهابيا كل من يمتلك الموارد ولا يتقدم لتأمين حياة لائقة لملايين المشردين؟ نعم هو كذلك، وإذا ما أحصينا الأموال العربية والتركية والإيرانية والغربية والإسرائيلية، التي تحركت على الأرض السورية على شكل دبابات وطائرات ومدفيعة وقذائف صاروخية وإطلاقات، والتي قتلت ودمّرت وفرّقت وانتهكت وعوّقت ويتّمت ورمّلت، حينها سنعرف أن مأساة أهلنا في سوريا هي في رقبة كل أولئك المتاجرين بالقضية، وأن كل سوري بات له دين في ذمة كل من ساهم في المأساة، بدءا من النظام وحتى آخر من شارك في الكارثة. فلقد هرول الجميع إلى الساحة السورية كي يبرزوا عضلاتهم الطائفية والمالية، وهم يقدمون الدعم لهذا الطرف أو ذاك، لكن أحدا منهم لم يلتفت إلى الضحية. تباهت المعارضة السورية وهي تتبختر على مسارح المؤتمرات في باريس ولندن وجنيف وغيرها من العواصم العربية والغربية، بالكلام المعسول، الذي كان يصدر من هذا الزعيم أو ذاك السياسي، وصدّقوا أنفسهم وهم يشكلون ما يسمى «حكومة مؤقتة»، ويفتحون سفارات لهم هنا وهناك، لكنهم لم يستطيعوا أن يقدموا شيئا يذكر لشعبنا في الداخل ولا من هم في الخارج، وكل ما حصلوا عليه من الغرب هوما يسمى، «أصدقاء سوريا»، بينما باعهم الغرب حينما تخلى عن الخطوط الحمراء التي وضعها للنظام.
أما النظام فهو الآخر تباهى أيضا بتحالفاته مع أطراف دولية وإقليمية ومحلية، فتمادى وتغول في عنجهيته وتصور أن النار وحدها هي التي تطهر أرض سوريا من معارضيه، لكن لا القوة ولا الحلفاء استطاعوا إخراجه حتى الآن من غرفة العناية المركزة التي هو فيها، وها هي الجغرافية السورية تتقلص تحت أقدامه وتخرج عن سيطرته كل يوم، حتى بات وجود نظامه من عدمه سيان.
المهمة الملقاة على عاتق كل من تاجر بالقضية السورية، وكل من صفى حساباته مع الآخر على حساب شعبنا العربي فيها، وكل من استعرض قوته وأمواله ومواقفه السياسية الفارغة، عليهم جميعا أن يتحلوا ببقية من صحوة ضمير، وأن يلتفتوا إلى ملايين المشردين على الحدود في المخيمات، وأن يحاولوا إعادة شيئا من كرامتهم المهدورة وأمنهم المفقود وخبزهم الذي بات نيله صعبا. لقد كانوا جميعا كرماء في بيوتهم ووطنهم، أعزاء بين الناس، لكنهم ذلوا على أيدي دهاقنة السياسة والمال. فهل سيستجيب ولاة أمورنا إلى وخزة أخيرة من ضمير؟
٩ ديسمبر ٢٠١٤
يحاول المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا اختراق الرمال الوعرة للأزمة، مستعيناً بتجربته في العراق وكوسوفو ولبنان وأفغانستان، وذلك عبر خطة طموحة لا تتضمن أية أبعاد سياسية أو عسكرية آنية، وإنما تهدف إلى تثبيت الوضع الميداني القائم.
خطة دي ميستورا لتجميد الصراع جاءت إثر قراءة عميقة للوضع السوري ومشاورات غير رسمية مع أطراف إقليمية ودولية ومؤسسات مدنية، بعد بلوغ الأزمة السورية مستوى عالياً من التعقيد والتشابك بحيث يستحيل إنهاؤها عبر عمل عسكري مباشر أو عمل سياسي مباشر.
ليست خطة دي ميستورا مقدمة لإنشاء مناطق عازلة وفق ما تطالب به المعارضة وتركيا منذ زمن، ولا هي شبيهة بالمصالحات التي يقوم بها النظام في بعض المناطق وتنتهي بسيطرته عليها. إنها خطة تهدف إلى الحفاظ على الوضع الميداني بين القوى المعتدلة والنظام، ومحاولة تعميمها إذا كتب لها النجاح إلى مناطق أخرى.
أهمية الخطة أو المبادرة أنها تبدأ من الأرض، وليس من المستوى السياسي، كما كان الحال مع الأخضر الإبراهيمي في «جنيف 2» وقبله كوفي أنان مع خطته ذات البنود الست، بل على العكس يمكن القول إن دي ميستورا الذي يمكن وصفه بـ «الماركسي» يعمل على ربط النجاح السياسي في المراحل البعيدة بمدى نجاح خطته على الأرض في المرحلة المقبلة.
كما تنبع أهمية هذه الخطة من أنها تتضمن بشكل أو بآخر مضامين المبادرات الإقليمية، سواء مبادرة الجامعة العربية عام 2011 أو خطة إيران التي طرحت في نهاية عام 2012 أو حتى بعض مضامين اتفاق «جنيف 1» و «جنيف 2»، فضلاً عن مضامين بعض القرارات الدولية حول سورية. غير أن اختيار حلب تواجهه عوائق كثيرة قد تحيل خطة دي ميستورا إلى سراب وتضعه في الوضع الذي كان فيه سلفاه الأخضر الإبراهيمي وكوفي أنان، ومن هذه العوائق:
ـ وجود أكثر من عشرة فصائل عسكرية في مدينة حلب وريفها وهي لا تجتمع على هدف واحد وإن كانت محاربة النظام العنوان العريض لها.
ـ وجود «داعش» و»جبهة النصرة» أيضاً، وهما تنظيمان لهما أهدافهما الخاصة ولا يأتمران بأوامر من أحد ويصعب إن لم يكن من المستحيل إجبارهما على تجميد القتال.
ـ تنوع أشكال تواجد النظام في المنطقة من جيش نظامي إلى قوات حليفة كـ «حزب الله» وقوات فلسطينية، إلى مدنيين تابعين للنظام يمكن تسليحهم فوراً.
ـ تداخل جبهات التماس بين الفصائل المسلحة من جهة وبين هذه الفصائل والقوات النظامية من جهة أخرى.
ـ كيف يمكن مراقبة تجميد القتال ومعرفة من لم يلتزم بذلك على وجه التحديد من دون وجود قوات حفظ سلام.
ـ تنفيذ الخطة خارج إطار الأمم المتحدة حيث لن تأتي وفق قرار من مجلس الأمن سواء كان تحت الفصل السادس أو السابع، بسبب اعتراض موسكو على ذلك خشية تكرار نموذج كوسوفو وحدوث تدخل عسكري دولي إذا فشل تجميد القتال.
ـ تباين مواقف الأطراف من الغاية من تجميد النزاع، حيث يسعى النظام إلى تطويع خطة دي ميستورا لصالحه من خلال اختزالها في محاربة الإرهاب، وهذا سبب إصراره على ضرورة تنفيذ قراري مجلس الأمن 2170 و 2178 المتعلقين بمحاربة الإرهاب. ومفهوم محاربة الإرهاب مفهوم فضفاض لدى النظام حيث يشمل كافة المسلحين الذين يقاتلونه، في حين تسعى الفصائل المعارضة لا سيما «الجيش الحر» إلى ربط تجميد القتال بتنفيذ القرار الدولي 2165 الذي يتضمن وقف القصف من قبل النظام وعدم تحريك قواته وإطلاق سراح المعتقلين.
ـ غياب الثقة بين الأطراف الإقليمية الداعمة للنظام من جهة والفصائل المسلحة من جهة ثانية، وهذا الأمر يتطلب جهوداً ديبلوماسية كبيرة للوصول إلى تفاهم حولها.
٨ ديسمبر ٢٠١٤
روسيا تسعى إلى تقسيم جديد لأوروبا. هذا ما يحذر منه خصومها المعترضون على اندفاعها في أوكرانيا. تتدخل لتغيير الحدود القائمة واقتطاع ما تستطيع إذا استعصى تقسيم الدول القائمة. تريد إعادة إحياء الحدود بين الدول الأوروبية بهدف إضعاف الاتحاد الأوروبي. هذا ما فعلته في جورجيا ثم في أوكرانيا وتهدد به دول البلطيق. شعارها الدفاع عن الأقليات الروسية التي تعزز انتشارها في كثير من الدول زمن «الاتحاد السوفياتي». ويتهم الغرب اليوم الرئيس فلاديمير بوتين بالسعي إلى إعادة تقاسم بعض أطراف القارة العجوز ما دامت إعادة رسم الحدود بين دولها تبدو مستحيلة مع قيام الاتحاد وتوسعه المستمر. وهو يستعد لميلاد الاتحاد الاقتصادي الأورو- آسيوي مع روسيا البيضاء وكازخستان وأرمينيا مع حلول السنة الجديدة. ولا يخفي آماله بالتوسع في آسيا الوسطى، نحو طاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزستان وتركمانستان التي يتقدم إليها الاستثمار الصيني في مجال الطاقة. والهدف قيام تكتل سياسي- اقتصادي يوازن الاتحاد الأوروبي. والخروج من العزلة التي يفرضها الغرب على بلاده.
تقاسمت الدولتان العظميان النفوذ في معظم القارات أيام الحرب الباردة، وحافظت الدول الوطنية على وحداتها أرضاً ومكونات وأنظمة أيضاً في ظل هذا النفوذ أو ذاك. لكن معظم الأنظمة الشمولية في هذا المعسكر أو ذاك انهار في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا مع انهيار الكتلة الشرقية. وسعت الولايات المتحدة طوال ربع قرن ولا تزال إلى إرساء نظام دولي جديد، بعدما باتت القطب الأقوى الوحيد. ولم تتوان في السنوات الأخيرة عن خوض حروب أنهكتها وأوروبا في البلقان والقرن الأفريقي وأفغانستان والعراق وغيرها. حتى بات «التعب والخيبة والهموم الاقتصادية والنوازع القديمة والمتجددة إلى العزلة ترخي بثقلها على القرارات السياسية» في أميركا والغرب، كما عبر وزير الخارجية الفرنسي السابق هوبير فيدرين في مقالة لجريدة «الموند» قبل أشهر. وهو ما شجع دولاً أخرى وقوى صاعدة على المواجهة والتقدم نحو أداء دور في بناء النظام العالمي. ويعزو وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسينجر موقف هذه الدول والقوى إلى ما يسميه رؤية مختلفة لكل دولة تتأثر بتاريخ هذه الدولة وبأوضاعها اليوم.
لذلك لا تخوض روسيا وحدها المواجهة مع الغرب والولايات المتحدة. الصين هي الأخرى تخوض حرباً باردة في المحيط الهادئ للحفاظ على نفوذها في جنوب شرقي آسيا. ولمنع تمدد الولايات المتحدة التي تتوسل التفاهم والتنسيق والتعاون مع دول المنطقة المنضوية في مجموعة «آسيان» ومع اليابان وأستراليا لاحتواء الصين. وأبعد من ذلك حذرت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون مراراً الدول الأفريقية من عودة الاستعمار إلى القارة السمراء، في إشارة إلى الحضور الصيني استثماراً وتجارة ومساعدات مختلفة. وباقي دول «البريكس»، الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، لا تخفي رغبتها في المساهمة في رسم النظام الدولي الجديد. وما يجري في المشرق العربي لا يختلف عما يجري في أقاليم أخرى. وليس الفراغ الاستراتيجي في المنطقة وحده ما يدفع القوى الإقليمية الكبرى، فضلاً عن الكبار، إلى المواجهة والصراع من أجل ملء هذا الفراغ. صحيح أن الولايات المتحدة عبرت صراحة عن نقل ثقل اهتمامها من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ مع أنها لا تزال حاضرة بقوة. لكن الصحيح أيضاً أن الرئيس باراك أوباما نهج سياسة «الديبلوماسية المتعددة الأقطاب»، وفتح الباب لسياسة التعاون مع القوى الكبرى لإدارة شؤون العالم. والصحيح أيضاً أن تداعيات الأحداث التي عصفت وتعصف بالعالم العربي عجلت في انهيار النظام العربي.
وفرت هذه العوامل فرصة ثمينة للقوى الإقليمية الكبرى في استعادة ماض تليد، على خطى الرئيس بوتين. فحذت إيران حذوه. وتكاد اليوم تعجل في التقسيم الجديد للشرق الأوسط. أو اقتطاع حصصها هنا وهناك. ولا تخفي كما الروس حميتها في الدفاع عن كتل وقوى شيعية من اليمن إلى سورية والعراق ولبنان. وبات من الصعب تجاهل تمددها في عواصم عربية كثيرة. ومثلها تركيا التي تضيق ذرعاً بما جرى في القرم وما يجري في سورية والعراق، تحاول أن تزج بنفسها في المشرق العربي والشمال الأفريقي لتستعيد على الأقل بعض ما كان للسلطنة. وتكتفي إسرائيل بانشغال العرب والعالم عنها لتواصل سياسة تصفية القضية الفلسطينية فيما أهلها عاجزون عن استعادة اللحمة والحد الأدنى من وحدتهم. أما المملكة العربية السعودية التي أعادت بعث الروح في مجلس التعاون فتتحرك مع شركائها ومصر والأردن وغيرهم للحفاظ على ما بقي من «حصة» العرب في النظام المقبل للإقليم... إذا كانت إعادة اللحمة إلى ما كانت قبل عقدين أو ثلاثة تبدو شبه مستحيلة. ولا شك في أن مشاركتها ودول عربية أخرى في الحرب على «الدولة الإسلامية» ستترجم عاجلاً أو آجلاً مردوداً سياسياً وحصة وازنة في كل من سورية والعراق.
وإذا كانت روسيا وإيران تعبران عن طموحاتهما الإقليمية والدولية بتدخلات ميدانية خارج الإرادة الدولية، فإن الصين وتركيا يعينهما تقديم العامل الاقتصادي والتجاري على الصبر والمهادنة. فلا بكين في وارد مواجهة مع الولايات المتحدة على خلفية ما ترى إليه تدخلاً أميركياً في فضائها الأمني جنوب شرقي آسيا. وتقف في الشرق الأوسط خلف موسكو فتعفيها من صدارة المشهد. ولا أنقرة في وارد مواجهة مع إيران التي تتقدم نحو حدودها في بلاد الشام. بالطبع تختلف ظروف كل بلد من البلدان الأربعة. فالكرملين أغاظه ويغيظه «زحف حلف «الناتو» إلى «حدائقه» الخلفية والأمامية، وتوسع الاتحاد الأوروبي إلى ما يعتبره تاريخياً فضاءه الأمني. وطهران ترفع من سنوات لواء «حلف الممانعة» في وجه المشروع الأميركي الذي ترى إليه تهديداً مباشراً لنظام «الجمهورية الإسلامية». وترغب كما حليفها الروسي في كسر الحصار المضروب عليها بشتى الوسائل. وهذه ليست حال الصين أو تركيا.
على رغم هذه الحروب الباردة هنا وهناك، بات واضحاً أن أحداً من القوى الكبرى لا يرغب في الانجرار إلى المواجهة الشاملة. روسيا لا ترغب في العودة إلى الستار الحديد. ولا الغرب عموماً يريد اللجوء إلى القوة في أوكرانيا. يكتفي بسياسة العزل السياسي، كما حصل للرئيس بوتين في قمة العشرين، وبالحصار الاقتصادي والعقوبات. وتمديد المفاوضات في شأن الملف النووي الإيراني تأكيد لرغبة الأطراف المعنيين في استبعاد الخيار العسكري وتغليب سلاح الديبلوماسية يعززه الحصار الاقتصادي الذي يترك جروحاً مؤلمة... تعمقها أسعار النفط المتهاوية ومعها اقتصادات كثيرة. ولن يكون الشرق العربي استثناء أو بعيداً عن هذا السلاح. لذا يشهد المشرق العربي مروحة من التحركات السياسية والأفكار المطروحة من أجل تعديل موازين القوى. وهذه وحدها تسمح بالبحث في حلول وتسويات.
في هذا الإطار، تحرص تركيا مثلاً على إعلاء بنيان علاقاتها مع إقليم كردستان. وتبرع في اللعب بورقة كوباني على وقع حوارها الداخلي مع حزب العمال الكردستاني. ولا تزال تنأى بنفسها عن عمليات التحالف الدولي، وتصر على إنشاء منطقة آمنة شمال سورية، لعلها توفر لها أرضية صلبة لحضور فاعل في مستقبل هذا البلد الذي طالما اعتبرته أدبيات السلطنة «درة التاج العثماني». ومنه يمكنها أن تمارس نفوذها شرقاً وغرباً وجنوباً، كما كانت الحال حتى عشية انضمامها إلى الحرب في عام 1914. أما الرياض فتستعد لسلوك الطريق إلى بغداد. ولا تقفل الباب أمام أية أفكار لتسوية سياسية في سورية على قاعدة جنيف. ولا ترى نجاحاً لحملة التحالف على «الدولة الإسلامية» إلا بإرسال قوات برية. في حين لم تعد إيران تكتفي بتدخلها الميداني على أرض الرافدين. زجت بطيرانها الحربي. لعلها تخشى أن يقوم سريعاً جيش العشائر السنية على أيدي الأميركيين والعرب. لا تريد شركاء في بغداد، مثلما لا تريد شركاء في سورية، ولا حتى روسيا. بلاد الشام كانت قبلتها وميدان صراعاتها قديماً وحديثاً.
على رغم الخلافات التي تدور بين أركان إدارة الرئيس باراك أوباما، يبدو قيام منطقة أو مناطق آمنة، حتى وإن كانت شريطاً حدودياً صغيراً، اقتراحاً مؤجلاً. ليس لأن الأمر يحتاج إلى قرار من المجتمع الدولي. وليس لأن واشنطن تعترض. بل لأن إيران ستقاوم ذلك، وكانت وجهت أكثر من تحذير إلى تركيا من التدخل. ومثلها روسيا لن تسكت. وحتى أفكار المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا ستظل مجال أخذ ورد وقبول وتردد، ومثلها مساعي موسكو وأفكارها. ومثلها أيضاً الدعوات إلى الزج بقوات برية في الحرب على الإرهاب. عجلة التسويات على المسار الديبلوماسي ستظل بطيئةً، كما كانت الحال ولا تزال في الملف النووي، نظراً إلى تعدد الأطراف واللاعبين وتضارب مصالحهم وعلاقاتهم. وستبقى سورية تنتظر ما سيرسو عليه تقاسم العراق بين القوى الإقليمية الكبرى إذا تعذر التقسيم الرسمي المعلن. وما دام الذين خسروا بلاد الرافدين بعد سقوط صدام حسين يستعيدون حضورهم في بغداد وإن كانت الغلبة لطهران، فإن حضورهم في دمشق سيكون غالباً في المقابل. لا بد أن تعود السلطة إلى «شرعية الأكثرية» كما انتهى الأمر في العراق، إلا إذا تحقق المحظور ووقع التقسيم النهائي، كما يخشى الروس ويتساءلون في سرهم! فهل يكون «تجميد» الحرب كما يدعو دي ميستورا مقدمة لتكريس مثل هذا الحل، وبالتالي تكريس التقاسم القائم في كل الإقليم؟
٨ ديسمبر ٢٠١٤
يمتلك رئيس النظام السوري بشار الأسد قدرة، ليس بعدها قدرة، على الانتقام من سوريا والسوريين. كان آخر دليل على ذلك الحديث الذي أدلى به إلى مجلة “باري ماتش” الفرنسية، والذي يبدو واضحا أنّه جزء من حملة علاقات عامة تستهدف تلميع صورة رجل مسؤول عن مئتي ألف قتيل من مواطنيه وتهجير نصف أبناء الشعب، فضلا عن تدمير المدن والبلدات السورية.
الأكيد أنّ لدى المجلة ما دفعها إلى إجراء الحديث والتباهي به. ما ليس أكيدا هو مساهمة الحديث في تغيير شيء في الواقع السوري المتمثّل في أنّ النظام انتهى، لكنّه يصر على أن تنتهي سوريا معه.
خلاصة الحديث أن بشّار الأسد يرفض مغادرة الموقع الذي يحتله بالقوة والذي ورثه عن والده. يتحدّث عن “دولة” يقف على رأسها في حين أنّه لم توجد في سوريا الحديثة، أقلّه منذ تولي حزب البعث السلطة نتيجة انقلاب عسكري في الثامن من مارس 1963 أي مؤسسات لدولة من أي نوع كان. كل ما هناك نظام عسكري- أمني، يدعي أنه دولة، ولم تكن لديه في يوم من الأيّام أي شرعية.
تطوّر هذا النظام في اتجاه واحد، في اتجاه تحوّله من مجرد تركيبة مدنية- عسكرية في البداية إلى تركيبة طائفية، على رأسها عدد من الضبّاط العلويين اختُزلت التركيبة هذه ابتداء من العام ألف وتسعمئة وسبعين برجل واحد هو حافظ الأسد.
في عهد بشار الأسد، صارت التركيبة ذات طابع عائلي بعدما وضع أقرباؤه المباشرون يدهم على كل المرافق الاقتصادية للبلد في كل المجالات والحقول.
باختصار، لم توجد في سوريا ما بعد البعث مؤسسات لدولة. كانت هناك مجموعة من الأجهزة الأمنية تسيطر على الدولة وتسيّرها لا أكثر. كانت في الواجهة في بعض المواقع شخصيات سنية استخدمت لمجرّد التمويه. لم يكن يجمع بين هذه الشخصيات سوى أنّها من سُنّة الأرياف، نظرا إلى كره حافظ الأسد لسنة المدن الكبيرة. ما يجمع بين مصطفى طلاس وحكمت الشهابي وعبدالحليم خدّام وفاروق الشرع هو كونهم جميعا من سنّة الأرياف. الأهمّ من ذلك، أنهم كانوا مجرّد بيادق في لعبة يديرها حافظ الأسد الذي كان يستطيع التدمير والابتزاز واللعب على التوازنات الإقليمية… والذي اعتقد أن في استطاعته بناء دولة، لا مؤسسات فعالة فيها سوى المؤسسات الأمنية.
كان من المفيد قراءة حديث بشّار الأسد، أقلّه من أجل اكتشاف ما اكتشفه كثيرون منذ اندلاع الثورة الشعبية في سوريا في مارس 2011. تبيّن منذ اليوم الأول لاندلاع تلك الثورة الحقيقية أنّ بشار الأسد لا يعرف شيئا عن البلد الذي يحكمه بالحديد والنار وكل أشكال القمع. يتفهّم اللبنانيون، قدر الإمكان، أنّه لم يكن يعرف شيئا، ولو قليل القليل، عن لبنان. لكنّ الفضيحة الكبرى كانت جهله بسوريا والسوريين أيضا. لم تكن لديه حتى واجهات شكلية يمكن أن توحي بأن هناك مشاركة ما، ولو نظريا في السلطة.
يؤكد كل ما في حديث بشار الأسد أن ليس في استطاعة الرجل الخروج من حال الإنكار التي يعاني منها. لا يزال يعيش داخل عالم خاص به لا علاقة له بالواقع. يعتقد أنّه على رأس دولة، في حين أنّه على رأس مجموعة عائلية أقرب إلى مجلس إدارة لشركة. يتولى مجلس الإدارة هذا تسيير شركة اسمها سوريا. الشركة مفلسة حاليا، وصارت هناك حاجة إلى من يغذيها من الخارج، فجاءت المشاركة الإيرانية التي ارتدَتْ أشكالا مختلفة صبّت، في نهاية الأمر، في جعل الشركة التي اسمها سوريا شركة تمتلك إيران معظم الأسهم فيها. وهذا ما يفسّر إلى حد كبير انفراط عقد العائلة شيئا فشيئا من جهة، ومؤشرات على نقمة داخل أوساط علوية على بشّار من جهة أخرى.
كان تاريخ النظام السوري، منذ ما قبل استيلاء البعث على السلطة، سلسلة من عمليات الهروب إلى الخارج لتغطية الأزمة العميقة التي يعاني منها البلد منذ استقلاله. إنّها أزمة نظام وكيان في الوقت ذاته. كان الانقلاب العسكري الأوّل لحسني الزعيم تعبيرا عن هذه الأزمة التي صارت فاقعة مع قيام الوحدة المصطنعة مع مصر التي لم تدم سوى ثلاث سنوات.
لا حاجة إلى سرد المحطات التي مرّت بها سوريا، بما في ذلك، أخذ العرب إلى حرب خاسرة سلفا في العام 1967، حين كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع. لا حاجة إلى الاسترسال في كيفية إيقاع لبنان، عن سابق تصوّر وتصميم، تحت عبء الوجود الفلسطيني المسلّح في العام 1969، تاريخ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم الذي لا يزال الوطن الصغير يعاني منه. لا حاجة إلى تكرار كيف أنّ النظام السوري وبعد حرب تشرين 1973 وجد نفسه في طريق مسدود، خصوصا بعد زيارة الرئيس أنور السادات للقدس في خريف العام 1977.
هرب النظام السوري إلى لبنان. استخدم الورقة الفلسطينية ثم الغرائز المذهبية إلى أبعد حدود من أجل احتلال البلد الجار عسكريا طوال ثلاثة عقود. وفي مرحلة معيّنة هرب إلى العراق. تصالح حافظ الأسد مع عدوّه اللدود صدام حسين للوقوف في وجه أنور السادات ظاهرا. الحقيقة أنّ صدّام حسين الذي لم يكن هناك من يتفوّق عليه بالغباء السياسي، وقع وقتذاك في الفخّ الذي نصبه له الأسد الأب…
في السنة الجارية، يتبين أنه لم يعد أمام بشار الأسد الذي خرج من لبنان نتيجة اغتيال رفيق الحريري، سوى الهرب إلى سوريا بعدما انتفضت في وجهه. إلى متّى يستطيع ممارسة لعبة الهروب هذه؟
يتحدّث عن “دولة” لا وجود لها في سوريا، ويلقي التهم يمينا ويسارا رافضا الاعتراف بأمرين، الأوّل أنّه لم تكن لديه شرعية ما في أي يوم من الأيام، والآخر أن الأجهزة الأمنية والشركات العائلية لا تصنع دولا. أقصى ما تستطيع هذه الأجهزة وهذه الشركات صنعه هو البراميل المتفجّرة. أقصى ما يمكن أن تصنعه هو تشريد مزيد من السوريين وتمكين إيران وأدواتها من بسط سيطرتها أكثر فأكثر على البلد، أو على ما بقي منه.
الثابت وسط كل هذه المأساة أن حديثا في مجلة فرنسية لا يقدم ولا يؤخر. إنه عودة إلى أساليب قديمة، تجاوزها الزمن لإظهار النظام في مظهر من لديه شيء يقوله. كل ما في الأمر أن الحديث كان مناسبة أخرى للتأكد من أن بشار الأسد يعيش في عالم لا علاقة له بالعالم. كل يوم يبقى فيه في دمشق يعني مزيدا من الخراب والتفتيت لبلد كان يمكن أن يكون من أفضل دول المنطقة وأكثرها ازدهارا، لو وجد فيه، في يوم من الأيّام، شخص طبيعي في السلطة يدرك أن لعبة الهروب إلى الأمام، إلى خارج سوريا، سترتد عليها عاجلا أم آجلا.
٨ ديسمبر ٢٠١٤
تجتاز مجتمعاتنا العربية، اليوم، مرحلة تاريخية صعبة جداً من متغيّرات التاريخ، وهي تمر بطور انتقالي طويل في تاريخنا. ربما لا يدرك الجميع أبعاده ومساحاته ومسافاته، لكن علاماته كانت قد بدأت منذ ثلاثين سنة مضت، أي مع 1979، وهي أخطر سنة في القرن العشرين، واجتزنا تضاعيف القرن العشرين، مع بدء تحوّل أساسي، ليس في تاريخنا نحن فحسب، بل في تاريخ العالم، عندما صعق العالم بأحداث غريبة يوم 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وما لحق بها من تداعيات في أفغانستان 2002، والعراق 2003. ومنذ تلك اللحظة التاريخية المريرة، بدأ العالم يتغيّر باتجاهات خطيرة، وبدأت مجتمعاتنا تسلك مسالك أخرى، غير التي ألفتها على مدى ثلاثين سنة مضت، بكل ما عشناه خلالها من أزمات ومشكلات ووقائع وحروب أهلية وإقليمية، وبكل ما مارسته الديكتاتوريات العربية المعروفة من دعارات وبطش وانتهاكات، وكل ما انتاب مجتمعاتنا من كوارث وآلام ومآس، وبكل ما انشغل به العرب من تفاهات وهموم، ومن عبث في إشعال قضايا ابتعدوا فيها عن قضاياهم المركزية.
وعندما اشتعلت الثورات العربية، كانت تحمل في واجهاتها شعارات مدنية سليمة، وهي تهدف، بطموحاتها، نحو التغيير السياسي الذي سيعمل على التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وإن أسهل الطرق وأنجعها للتغيير السياسي هو الديمقراطية، وراح الجميع يستخدم الديمقراطية، ومن حقهم استخدامها، لكن السؤال: هل من حق مَن لا يؤمن بها مجرد توظيفها للوصول إلى السلطة، كما هو حال العراق والجزائر وليبيا واليمن ومصر وغيرها؟ وهل كانت مجتمعاتنا مؤهلة لممارسة الظاهرة حتى بالحد الأدنى؟ وجاء الجواب سريعاً، بأن هرع إلى ميدان التغيير مَن أراد افتراس الثورات العربية، أو سرقتها، لصالحه، والدخول في نفق زمني طويل من صراع التناقضات.
تركنا القرن العشرين وراءنا، بعد أن تشبّعت مجتمعاتنا بكل ترسباته وتجاربه المريرة، ومراحله القاسية، على الرغم من أن بعضهم يتحسّر على تلك الأيام واللحظات الجميلة التي عاشها في القرن العشرين، حتى مع كل أوبئته الأيديولوجية ومتغيّراته السياسية وانقلاباته العسكرية وحكوماته الفاشية. إنه على الرغم من كون السياسة مبعثرة ومتصادمة ومتنازعة، كانت المجتمعات العربية متماسكة وموحّدة وطنياً، ولها هموم قومية واحدة، وتشغل بالها قضية مركزية واحدة. اليوم لا، فالتمزّقات التي تعاني منها مجتمعاتنا، مع جبال من ركامات الكراهية والأحقاد واجتياح الأوبئة والأمراض السايكولوجية الموروثة مع التاريخ، قد فجّرت مجتمعاتنا من أعماقها، ويتكاثر المتوحشون، اليوم، بشكل لا يصدق، مذ بدأ التصادم والصراع، لأسباب طائفية وعقدية بأثواب سياسية، متخذة لها أساليب سياسية صعبة جداً، بل وإنها تمارس قوتها وسطوتها باسم الدين مرة، وباسم الطائفة مرة، وباسم التاريخ والجغرافيات مرات ومرات.
لم تمر مجتمعاتنا العربية، بالذات، في مرحلة مهمة من تحولات الطور الانتقالي لها، بحيث تخلق الظروف الاجتماعية الملائمة للتغيّر المستمر، فهي لا تنظر إلى الحياة، اليوم، نظرة تقدمية، نحو الأمام، بل إنها تؤمن إيماناً أعمى بالنظرة الأخروية التي لا ترى إلا نهايات الأشياء، وتكاد أغلب مجتمعاتنا العربية تدور في هذا المأزق، من دون أية محاولة للخروج منه. وعليه، إن التغيير لن يحصل كما يتوقع المرء بمثل هذه السهولة التي حمل شعاراتها أبناء الثورات العربية الأخيرة. وإذا سألني سائل عن التغيير الحاصل في ما يسمى بالمجتمعات "التقليدية"، أقول إنها تعيش التغيير، لكن وتيرته، كما تبدو، بطيئة جداً بالمعايير الحضرية. أهم مرتكز أساسي للمجتمعات الحية هو "التنظيم" و"الإنتاج"، فكيف إن غاب هذا العنصر الحيوي، أو ذاك، في النظام الاجتماعي العربي، وما الذي يستوجب التخطيط له، في إعداد تدابير التربية والتعليم والإدارة أو التنمية والإعلام؟
" التمزّقات التي تعاني منها مجتمعاتنا، مع جبال من ركامات الكراهية والأحقاد واجتياح الأوبئة والأمراض السايكولوجية الموروثة مع التاريخ، قد فجّرت مجتمعاتنا من أعماقها "
للوعي بهذا العنصر التاريخي أهمية خاصة، نظراً لأن الأوبئة التاريخية التي تجتاح مجتمعاتنا العربية أقوى بكثير من دول وديكتاتوريات وجيوش وأسلحة. إنها أوبئة تجد حواضنها في كل مجتمعاتنا التي تسيرّها العواطف والتقاليد البالية، وغالباً ما تشيع "الظاهرة"، ويتقبّلها الناس عاطفياً من دون التفكير في تجارب الآخرين على الأرض، فهم يؤمنون بما توارثوه، فكل مَن يحمل هذا "الموروث" يصفّقون له، بل ويندمجون معه. وهذا يعني أنهم يديرون العجلة أكثر نحو الوراء، وعليه، فإن التغيير طويل المدى، وإن بدائل الطور الانتقالي لم تحضر بعد!
لا أعتقد أنها ستحضر بسهولة، بل أتوقع أن ثلاثين سنة قادمة ستمر على مجتمعاتنا، وهي تنتقل من سيئ إلى أسوأ أولاً، وإن الأوبئة التاريخية ستنتشر في أصقاع العالم ثانياً، لأن العالم كان غبياً، منذ البداية، في التعامل مع منظمات وأحزاب ودول وكيانات وحركات متخلّفة وجائرة. وأيضاً، مع غياب الوعي وانغماس تفكير الناس (حتى من جاليات في الغرب)، فهم يتلهّفون عاطفياً من أجل تحقيق حلم وهمي، يعتقدون باستعادته من جديد، من خلال الخلف الجديد الذي يتبع السلف القديم.
على العالم أن يستعدّ لمواجهة صدمات قادمة، وأن يفكرّ بمصيره القادم، وهو يعيش بين ثقافة التمدّن وثقافة التوحّش! لا بد أن نفكر ما الذي سيحدث في تضاعيف القرن الحادي والعشرين في مجتمعاتنا والعالم أجمع. مجتمعاتنا تعاني، اليوم، من سياسات بليدة، وانقسامات حادة، بفعل سياسات التوحّش والإرهاب. مجتمعاتنا التي تتمزّق يوماً بعد آخر، ويتشظى الناس بقتلهم، أو تفجيرهم، أو تهجيرهم أو إفراغ مدن كاملة من موزاييكها الديني والعرقي جرائم لا تغتفر. مدن كاملة غدت موحشة مهدمة، يعشقها الغزاة الجدد الذين سحقوها ودمروها، فكيف سينشأ جيل جديد، اليوم، على مدى ثلاثين سنة مقبلة؟ جيل يتربى على مآسي البلاء العظيم؟ وسيتعلم ممارسات هذه الطواطم المتوحشة، أو الحاقدة على كل العصر؟ وهي مصممة على الزحف نحو كل العالم!
إننا بحاجة ماسة إلى تحليل العمليات التاريخية والتغييرات على أيدي مفكرين ومختصين حقيقيين، لفهم الاتجاهات الحالية والعمليات التي تجري. وينبغي إحضار مهارات سوسيولوجية وأنثروبولوجية لها أهميتها الخاصة في فهم الماضي، لا سيما في مجتمعاتٍ بات فيها الماضي المصدر الرئيسي للحياة وتشويه المستقبل، وإنها لم تزل متوهمة بأن حلول مشكلات هذا العصر كامنة في الماضي، وما يشاع سياسياً ويطغى إعلاميا ويكرس تربوياً بأن ثمة حقيقة واحدة، يمكنها أن تكون المنقذ من الضلال. كانت هذه الأفكار الميتة قد راجت في القرن العشرين، لكنها اليوم تمشي على الأرض، وتتفقس وتتوالد بشكل لا يمكن تصديقه. إن غياب فهم الحاضر قد قام بتشويه عملية التحليل باقتراح مختلف أنواع التدابير، وتوفير مستلزمات الحداثة، لتدمج في نظام التغيير القائم على التقدم والاستنارة، لا على اتباع هذا القادم، أو ذاك من بواطن العصور الوسطى.
٨ ديسمبر ٢٠١٤
تخفي الإشارات، التي أطلقها المسؤولون الأميركيون، قبل وبعد شن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية غاراته على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، في طياتها، دلالات كثيرة على ما يرمون إليه من إطالة حربهم في المنطقة. كذلك، عاد المسؤولون الأميركيون، وخصوصاً منهم وزير الدفاع الأسبق، ليون بانيتا، ورددوا تصريحات، رموا منها التأكيد على حرب طويلة ستبقى مستعرة في الشرق الأوسط، منطلقين في ذلك ومستندين، ليس على المعطيات المتوفرة بين أيديهم حول القدرات الهائلة التي يتمتع بها تنظيم داعش، وصعوبة دحره، بقدر استنادهم إلى استراتيجيتهم الجديدة التي وضعوها للعالم، في القرن الحادي والعشرين، والتي أطلقوا عليها: "مشروع عام 2000 للقرن الأميركي الجديد". المشروع الذي صاغه المحافظون الجدد، وشرع الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، في تنفيذ خططه عبر حربه على أفغانستان والعراق، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، علاوة على حروب أخرى غير معلنة، تشنها الطائرات الأميركية بلا طيار على باكستان واليمن وغيرها.
يتلخص فحوى هذا المشروع في عقيدة الحرب الجديدة، المسماة "حرباً بلا حدود"، والتي ترمي إلى فرض الهيمنة الأميركية على العالم، عبر حروب متزامنة يخوضها الجيش الأميركي، في مناطق عديدة من العالم، وتحقيق نصر حاسم فيها، لدرء تهديدات يمكن أن تطال الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. وطبعاً، تندرج جميع هذه الحروب تحت مسمى ومسعى مكافحة الإرهاب. لذلك، رأينا عدم إعارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، أية التفاتة لمطالبات المعارضة السورية المتكررة له، منذ بدء دورة العنف في سورية، للتدخل ضد النظام السوري وضربه، أو حتى لفرض مناطق حظر جوي، أو حتى لتسليح الجيش السوري الحر. وقد يكون أحد أسباب امتناعه ذاك هو عدم مطابقة الأعمال التي يقوم بها الجيش السوري لمعاييره حول الإرهاب، الأمر الذي يمكن أن يعرضه لانتقادات لتدخله في ما يعتبره الغرب حرباً أهلية. حتى أن استخدام الكيماوي ضد المدنيين، واتهام النظام السوري بذلك، لم يستجلب هذا التدخل، على الرغم من انتهاكه الخط الأحمر الذي وضعه أوباما نفسه. فقد انتظر حتى نضجت الظروف، أو المبررات التي ساهم في إنضاجها ذبحُ تنظيم داعش الصحافي الأميركي، جيمس فولي، وحصول استياء داخلي وعالمي بسبب هذه الجريمة، وتبدي الإرهاب في أكمل صوره، وتناقل أخباره عبر جميع شاشات تلفزة العالم وجرائده. فأُعطيَ التدخل الأميركي صفة أخلاقية، ولم يتلقّ أية ردة فعل، أو معارضة تذكر، على عكس ما جرى لدى شن الحروب الأميركية السابقة على أفغانستان، في عام 2001، وعلى العراق، في عام 2003.
قد يقول قائل إنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة إطالة الحرب على داعش. لكن، عدم كفاءة الضربات الجوية التي تشنها ضد التنظيم، وعدم تأثيرها على قوته وسرعة تحركه، لا بل إحرازه انتصارات في غير منطقة، تؤكد عدم جديتها، أو حتى عدم نيتها، القضاء عليه، في فترة قصيرة، وهو ما يؤكد سعيها إلى إطالة أمد الحرب، حيث أنها انطلاقاً من مشروعها، "مشروع عام 2000 للقرن الأميركي الجديد"، ربما تخطط لإقامة قواعد جديدة، تضاف إلى تلك الموجودة في غير مكان من المنطقة العربية، بهدف تحقيق أحد بنود المشروع، وهو تطوير شبكة قواعدها العاملة خلف البحار، لاستخدامها الاستخدام الأمثل في إطار عملياتها الحربية، وتعزيز شبكتها التجسسية على العالم أجمع.
" كان عهد أوباما استكمالاً لما شرع به الرئيس السابق، جورج بوش، في شن الحروب على ما أسموه الإرهاب "
إن استخدام الطائرات من دون طيار كأحد مقومات هذه الاستراتيجية أمر لا شك فيه. فعبر هذه الطائرات تخفض الولايات المتحدة من تكاليف حروبها إلى حد كبير، جراء انخفاض تكاليف تشغيلها، والتكلفة الضئيلة للصواريخ التي تحملها، مقارنة بتكلفة تشغيل الطائرات المقاتلة وصواريخها باهظة التكلفة. تضاف إلى هذا الأمر الفاعلية التي تتميز بها الطائرات من دون طيار، نظراً إلى دقة اختيارها أهدافها، بفضل قاعدة البيانات الضخمة المزودة بها، والتي تساعدها على التعرف على هدفها، وتحديده بدقة هائلة، سواء كان هذا الهدف عربة مقاتلة، أو قاعدة أو مبنى، أو حتى شخصاً راجلاً، أو راكباً. فهي تتعرف على الشخص من بصمة صوته، أو بصمه عينه، إن أجرى اتصالاً هاتفياً، أو نظر عالياً إلى السماء، حيث توجد الطائرة في المدى الذي ينظر إليه. وتملك الولايات المتحدة أسطولاً ضخماً من هذه الطائرات، تعدى الثمانية آلاف طائرة، منتشرة في جميع قواعدها حول العالم.
يستغرب المرء أن هذه الاستراتيجية استمرت موضع التنفيذ في عهد الرئيس الأميركي الحالي، أوباما، الذي ركب على حلم التغيير، الشعار الذي رفعه في طريقه إلى البيت الأبيض. لكن عهده، وعلى العكس، كان استكمالاً لما شرع به الرئيس السابق، جورج بوش، في شن الحروب على ما أسموه الإرهاب، مع فارق واحد أن أوباما استغرق به الأمر، بعد تسلمه منصبه في البيت الأبيض سنة 2009، أسابيعَ قليلة فحسب، لشن حرب غير معلنة على الشعب الباكستاني، حين أوعز للجيش الباكستاني القيام بعمليات عسكرية ضد "طالبان" في شمال وزيرستان. وهو ما استكمله في غارات الطائرات الأميركية من دون طيار على هذه المنطقة، وعلى منطقة بلوشستان، الغارات التي لا تزال تُشن حتى هذا اليوم حاصدة أرواح أبرياء كثيرين. في حين استغرق الأمر ببوش ما يقارب العام قبل شن حربه على أفغانستان في عام 2001.
كائناً من كان المقصود من الهجمات الأميركية على اليمن أو الصومال أو باكستان، أو حالياً العراق وسورية، إلا أن الملاحظ أن هذه الهجمات توقع ضحايا كثيرين بين المدنيين. وعلى عكس ما تتطلع إليه الإدارة الأميركية من محاربة الإرهاب والتطرف، فإن هذه الحرب، غالباً، ما تستطيل سنوات لا يعرف لها حد، وتستجلب مزيداً من التطرف بين سكان المجتمعات المستهدفة، وتجعل الولايات المتحدة ودولاً كثيرة على قائمة المنظمات والأشخاص المستهدفين.
٨ ديسمبر ٢٠١٤
لا يكاد يمرّ أسبوع من دون أن نسمع عن غرق قارب يحمل مهاجرين عربا غير شرعيين في محاولة للوصول إلى الشواطئ الأوروبية.
تقول الأخبار أن عددا أنقذ، والعشرات انتشلت جثثهم، واعتبر العشرات أو المئات في عداد المفقودين. الخبر ليس حتى من الأخبار الرئيسية، أو عناوين النشرة، كما يسمونها، فإذا ما تابعت ما يجري في سوريا وليبيا والعراق ومصر واليمن، وغيرّت محطة الجزيرة مثلا، فسيفوتك الخبر الذي سيأتي في نهاية النشرة. حتى الصحف العربية لا تنشره في صفحاتها الأولى. أما صفحات التواصل الاجتماعي فهي منهمكة في أمور أخرى، وإذا ما صدف أن إحدى الصفحات نشرته باقتضاب، فقد يمر مرور الكرام من دون أن يلاحظه أحد، أو يحظى بأي لايك أو شير.
الظاهرة مقلقة وتبعث على الحزن، وإن كانت دوافعها معروفة. قبل الثورات كانت الأوضاع الاقتصادية صعبة للغاية، وعاشت نسب لا يستهان بها من العائلات تحت مستوى الفقر. في ظروف كهذه، في دول أخرى، عادة ما تدفع بالبشر إلى كسب المال من طرق غير مشروعة، كالدعارة أو الاتجار بالمخدرات، أو الانتحار، ولكن هذا لم يحصل لحسن الحظ بشكل واسع نتيجة تمسك المواطن العربي بالقيم والعادات ووازع من دين. الوضع الاقتصادي تدهور بعد الثورات من سيئ إلى أسوأ، وكذلك الوضع الأمني وانعدمت فرص العمل التي كانت أصلا عملة نادرة. في وضع كهذا، من المنطق أن يفكر الشباب بالبحث عن فرص العمل، كمصدر لكسب الرزق، خارج أوطانهم، ولما كانت الطرق المشروعة ضئيلة، لم يجدوا أمامهم الا الهجرة غير الشرعية، بالتهريب.
الغريب أن هؤلاء الشباب المحتاجين للمال يدفعون لعصابات التهريب مبالغ كبيرة، هم لا شك بحاجة إلى كل ليرة أو دينار أو جنيه منها. الأغرب أنهم سمعوا عن المخاطر التي تحيق بهذه القوارب الصغيرة في عرض المتوسط، وغرق العديد منها، وفقدان المئات من مستقليها لحياتهم، هل هي المقامرة إذن في محاولة يائسة لمقارعة الاحتمالات؟ أم أنها، في اللاوعي محاولة للهروب، أو الانتحار؟
هل الدول العربية التي يهرب منها هؤلاء شحيحة الموارد، ليتها كذلك، ولكنه الفساد الذي يعشش في أركانها. إن تقرير منظمة الشفافية الدولية يكشف أن الدول العشر التي تتصدر الفساد في العالم، ست منها عربية، للأسف. أما باقي الدول العربية فليست ببعيدة عن منصة التتويج للفساد. يعزو البعض انتشار الفساد في عالمنا العربي لغياب الديمقراطية والحريات العامة والشفافية ونظم المحاسبة والمساءلة والقضاء المستقل والإرادة السياسية لتحسين الوضع.
الشاذ عن هذه القاعدة هو أن دولتي قطر والإمارات تبوأتا منزلتين متقدمتين مع الدول الاوروبية التي تعاني من فساد أقل، مع أنهما ليستا دولا ديمقراطية، والفارق أن قطر تتمتع بهامش من الحريات أكبر من الإمارات.
عودة إلى الفساد، المليارات من الدولارات تسرق من الشعوب وتنتهي في حسابات سرية في بنوك أمريكا وسويسرا وباقي الدول الاوروبية. أموال مبارك والقذافي وبن علي لم تسترد بعد، واحتمال استردادها ضئيل جدا، وتتمتع بها الدول التي أودعت فيها على حساب الشعوب العربية، وشبابها الذي يغرق في المتوسط. يعتقد البعض أن الرئيس أو الملك في الدول العربية هو الفاسد فقط. المحزن أن الفاسد يرسم حوله دوائر كبيرة لا تتوقف عن الاتساع حتى تشمل قطاعا واسعا من الشعب المنتفع من هذا الفساد. الفساد يعم «بخيره» الجميع ماعدا المواطن البسيط، والشباب العاطل عن العمل الهارب لشواطئ المتوسط يبحث عن عصابه تهربه إلى أيطاليا أو اليونان أو…..، ويلقى حتفه غرقا قبل أن يصلها.
مع تكرر حوادث الغرق هذه، لم نسمع عن أي تحقيق في أي دولة عربية بحثا عن عصابات التهريب التي تغرر بالشباب وتسرق أموالهم، وتحشرهم في قوارب صغيرة «كالسردين» فتكون النتيجة الحتمية، الغرق تحت جنح الظلام في المياه الباردة، حيث لا يسمع صراخهم أحد. هذه الأوطان التي جنت عليهم، حرمتهم من الحياة الكريمة على ترابها، والأشد حزنا أنها بخلت عليهم بقبور تحت ترابها، ورمتهم إلى قاع المتوسط لتنهش لحومهم أسماكه، ويموتون بعيدا عن ترابه الذي لفظهم أحياء وأمواتا.
فرحنا بالثورات العربية، واعتقدنا أنها ستزيل الغيوم الملبدة فوق منطقتنا من الديكتاتوريات الفاسدة التي تعرف أن تحافظ على كل شيء إلا على كرامة المواطن، لم يحدث ليس لأن هذه الثورات سيئة أو بدأت كمؤامرات، لا، ولكن لأن منظومة الفساد كانت بالقوة التي مكنتها من التماسك ومن اصطفاف نصف الشعب معها، في محاولات لعرقلة الثورات أو الانقلاب عليها. الفساد وجد من يدعمه أيضا إقليميا وعالميا، فتعقدت الأمور، وضاعت الأوطان. مسكين هذا المواطن العربي، سيئ الحظ، إلى درجة انه ينطبق عليه المثل المصري الطريف «تعيس الحظ بيلاقي العظم في الكرشة» أو «اللي ماله حظ لا يتعب ولا يشقى».
أيها المتوسط، ذو الأمواج العاتية، رفقا بشبابنا، تركوا أهلهم وراءهم في أوطانهم من أجل حياة كريمة، فلماذا تكسّر أمواجك، عديمة القلب، أحلامهم. هلا سألت أمواجك العالية أن تهدأ وتحملهم بسلام إلى مواطن أحلامهم؟
عندما يصبح لحـــــياة المواطــــن في أوطاننا قيمة، حينها سنرى عصابات تهريب الشباب العربي عبر المتوسط وراء القضبان، ليلاقوا جزاءهم، والأهم من هذا ليعترفوا، من وراءهم.
٧ ديسمبر ٢٠١٤
كتبنا كثيراً في بنية النظام القلوية، الطائفية. في استنادات نظام التفحيح، والطاغية الأكبر منذ البدايات، وقبل وصوله حاكماً مطلقاً، عن الموضعات الطائفية اللابسة كل الشعارات والمبادئ القومية، وشبه العلمانية. شبه اليسارية.. والتي أفرغتها ثم نحرتها، وعن المفاصل الحقيقية في الجيش ومن يمسك بها، والمخابرات وقياداتها، والقرارات وصنّاعها.. ونبّهنا إلى نهج النظام ومشروعه المبيّت في تشويه وجه، وحقيقة، ومبرر الثورة بإلحاقها قسراً، وعبر مجموعة آليات بحالة طائفية وكأنها صراع سني ـ علوي. فسني ـ شيعي، وسني بمواجهة المكوّنات الأخرى، وإيجاد فروع لذلك النهج في المنطقة يمتدّ من لبنان إلى العراق ..
ـ في الشهر الأول للثورة والدنيا انتفاضة، شعب حطّم قيوده، وانطلق منفجراً يردد شعارات الحرية والعدل والكرامة.. بمشاركة متنامية من معظم فئات الشعب السوري خرجت بثينة النظام بلؤمها لوصف الذي يجري بأنه : فتنة ومؤامرة، ثم كررها وريث الحقد بتفصيل ملغوم يريد أن يبرهن بطريقته العقدية على أن ما يجري هو حالة مذهبية.. ومؤامرة كونية... وأنه سيقبرها.. باعتباره" يمثل الوحدة الوطنية" وسورية الممانعة، والمقاومة.. وقد وضع عديد الواجهات السنية، ومن بقية المكوّنات في مواقع الصفّ الأول ليكونوا كراكوزات المسرحية الساذجة.
على امتداد سورية الحديثة، ورغم حقائق التركيب التي تشمل فسيفساء سورية بكل ما فيها من الإثنيات القومية، والأديان الثلاث، والمذاهب المتعددة، ورغم محاولات فرنسية مدحورة للموضعة الكانتونية، واللعب بالنسيج الاجتماعي، ومحركات بعض الأقليات القومية، وشطط بعض النزوعات الطائفية.. إلا أن سورية الوطن الواحد، والشعب الواحد الغني بالألوان، والتعايش، والتفاعل.. ذو الأكثرية العربية المطلقة، والسنية ـ بمعنى الاعتناق المذهبي ـ كانت هي الحقيقة الأبقى، وهي المصدّ، والمرجعية، وهي حاضنة الثورة ومواقد التغيير..ولم يك أحد يعتقد، أو يتصوّر أن تعمد جهات مختلفة تبدو متصارعة، ومتناقضة إلى جرجرة الثورة باتجاه الخَندقة، وما يشبه التقسيم، ومنح الاتجاهات المذهبية، خاصة السنية منها، المسوّغات، والقرائن للمضي المنزلق في هذا الطريق، خصوصاً وأن اللوحة لم تقتصر على سورية بل تمتدّ من العراق إلى لبنان، وتلتحق اليمن أيضاً فيها .
ـ لم يقتصر الأمر على ممارسات طائفية منهّجة من النظام الفئوي بتوجيه آلة تدميره وفنائه.. حتى التطهير البشري والمذهبي والديمغرافي نحو المناطق السنية في عموم البلد، بينما "تنعم" بقية المناطق بوضع آخر.. بل دخلت على الخط بقوة مدججة بكل الأسلحة والمليشيات والحقد والمشاريع الخاصة : إيران بثقلها لتدفع الأمور نحو ذلك بسرعة، وعلى رقعة جغرافية تشمل ساحات عربية متعددة.. وبما وضع الرأي العام الشعبي أمام أسئلة عبقها ردّ الفعل، ثم الدخول في متاهات لا تجد تفسيراتها سوى بتفسير، واختصار الذي يجري على أنه موجّه ضد المذهب السني صراحة.. وبأن السنة تحت المقصلة، وأنهم يتعرّضون لحرب إبادة عناوينها باتت فاقعة في كل ميدان، ومجزرة.. في اللجوء والتهجير والهجرة.. وفي نوعية القصف، والتحالفات..
ـ ومما زاد الوضع تفاقماً اقتحام الإدارة الأمريكية لبوابة الصراع من هذا الباب وترصيصه بقوتها، وآلتها الإبادية.. ثم حكايتها ب"محاربة الإرهاب" وحلفها وما يفعل.. والواقع وما يحدث فيه..
ـ سنضع جانباً كل ما يحكى عن مواقف التواطؤ، والاتفاق، وحتى التناغم مع النظام الإيراني ونتوقف عند الحالة العراقية التي هي منتج أمريكي بامتياز، وبما يتجاوز غزو العراق وتدمير دولته، وبناه التحتية، وعلمائه، وجيشه، واجتثاث وتصفية مئات آلاف الوطنيين فيه.. إلى تسليمه بوعي، ومن حيث النتيجة للنفوذ الإيراني، وتحويله إلى كانتونات طائفية وإثنية.. يعبّر عنها بصفاقة ما يسمى جيش العراق الذي أقاموه برعاية أمريكية، ثم "مليشيات الحشد الشعبي" وما تقوم به، واستهداف العرب السنة بشكل ممنهج، وشامل تقريباً. وقد أصبح شائعاً ورائجا تعبير السنة العرب، وها هو يمتدّ إلى سورية وغيرها كتحصيل حاصل فعل جرمي إبادي.. يستقي من الوقائع اليومية مسوّغاته.. ليضخّ ما يريدون من مفاعيل الانقسام.. وهذا بعض نتاج الجرجرة التي خططوا لها جميعهم هؤلاء .
ـ إن شعارات إقامة تحالف دولي عرمرمي بكل المَسرحة والتهويل، وسياساته المعلنة، وفعله على الأرض يصبّ كل أنواع الزيوت الحارقة علة فعل التقسيم الذي يراد رسم تخومه، وبما يتجاوز ذلك إلى تنصيب مخاوف تبدو جدّية جداً على "أهل السنة" العرب بأرواحهم، وديمغرافيتهم، وممتلكاتهم، وجغرافية وجودهم.. وكذا الأمر فيما يجري من دعم مشبوه، وملغوم للأكراد وفق خطين متوازيين بينما تتعرّض المناطق الأخرى لكل عمليات الإبادة والتهجير والاستهداف، ويجري التناغم الصفيق بين التحالف والنظام المجرم، وبينه وبين إيران.. بينما تزغرد الحوثية في اليمن وهي تكمل رسم اللوحة.. فتقذف بالصراع نحو الاحتراب المذهبي وما ينتج عنه من انقسامات عمودية، وحروب أهلية طويلة .
ـ كل الوقائع الناتجة عن أفعالهم تؤكد أن التطرف يزداد كردّ فعل، وأن الحواضن الشعبية لداعش وأخواتها تتسع، وتزجّ بفئات شعبية كانت في خندق الثورة تقاتل لأجل الحرية، وتصرخ بأن الشعب السوري واحد.. هؤلاء يملؤهم الخوف هذه الأيام، ويشحنهم فعل يومي لا يمكن لأغلبهم أن يرتقوا فوقه، أو أن يتغلّبوا على ما يعيشونه، وما يفقدونه من أهل وأملاك وأرض وبيوت ووطن..
ـ نعم مشاريعهم المشبوهة تتقدّم بقوة آلة الفتك. بجيوشهم الجرارة ودعاويهم الملغومة. بأجهزتهم الإعلامية ومخابراتهم وأموالهم.. وهم يريدون التقدّم في خط جغرافي طويل عريض يشمل العراق حتى لبنان، ويمتدّ لليمن فالخليج العربي.. ولمَ لا بلدان المغرب العربي.. طالما أن الشروط مهيّأة، وطالما أن الشعوب تئن تحت وطأة المذابح، والاستبداد، والنهب، والتغييب، والبسطار المصطنع..
ـ هذه اللوحة التي يمضون قدماً في ترسيخها ونشر مفاعلات انفجارها الدائم ستجابه بمصالح ومطامح وإرادة ملايين الأحرار العرب ومن المكونات جميعاً؟؟ الذين ثاروا لأجل تحرير بلادهم وليس لتقسيمها، أو نحرها بسمّ الطائفية والإثنيات التمزيقية. ولئن كان الوضع يرفع التحديات كبيرة إلى مستوى مصيري.. فإن الوعي بحقائق ما يراد فرضه علينا، ومجابهته بتنظيم وتوحيد الصفوف، والتحالف الداخلي والإقليمي مع الثائرين في العراق وغيره.. والتمسّك بروح الثورة وأهدافها من شأنه أن يقطع الطريق على هذا الذي يجري، وأن يعيد الأمور إلى حقيقتها ...
٧ ديسمبر ٢٠١٤
عوداً على بدء الثورة
الأسد أو نحرق البلد... الأسد أو لا أحد.
هٰذا الشعار الذي رفعه النظام في الأيام الأولى للثورة، ناهيكم عن حملة التأليه، هو الاعتراف الصريح التام الأركان بأن ما حدث ثورة وليس مؤامرة.
من غير المعقول أن يقول النظام لأمريكا أو إسرائيل التي تتآمر عليه وتحاربه: إما أن تتراجعوا أو أحرق البلد، إما أنا أو لا أحد... هٰذا الكلام يقال للشعب الذي ثار ولا يمكن أن يقال للأعداء... لم أقرأ في كل ما مضى من التاريخ، ولا يمكن أن يوجد من يقول للعدو إذا هاجمه: إما أن تتركني أو أحرق بيتي وأهلي، إما أن تتركني أو لن أبقي أحداً... إما أن تتراجع عن عدوانك أو أحرق البلد... حَتَّىٰ في الخيال لا يمكن تصور هٰذا الصورة.
هٰذا الشعار شعار من يعلم أن شعبه يرفضه ويثور عليه، وهو يهدده بالتراجع عن الثورة: إما أنا وحدي أو أقتلكم جميعاً، أحرقكم جميعاً...
لاحظوا الفرق في الخطاب. لو كان يؤمن أنَّ المؤامرة خارجيَّة لقال: إمَّا نحن، أو أحرق بلادكم، إما أنا أو أحرق أمريكا، إسرائيل، المريخ... أي بلد إلا سوريا التي تريدون تدميرها...
تخيلوا قائداً يهاجمه الأعداء ليدمروا بلده فيقول لهم: إما أن تتوقفوا عن إحراق بلدي، أو أنا أحرق بلدي!!!
هم يريدون حرق البلد فتقول لهم: إما أن تتراجعوا أو أحرق أنا البلد!!!!
كيف يمكن تصديق ذۤلكَ؟!
أي عقل يمكن أن يقبل هٰذه المعادلة؟
الحشاش إذا كان في ذروة التحشيش لا تصدر عنه مثل هٰذه المعادلة. حَتَّىٰ في حالات الهذيان لا يمكن للمرء أن يهذي بمثل هٰذه الهلوسات التي لا تستقيم مع منطق أبداً. هٰذا يذكرنا بوليد المعلم منذ أشهر قليلة عندما قال: «لا مبرر لأحد بالعدوان علىٰ سوريا، من أراد أن يعتدي علىٰ سوريا عليه أن ينسق معنا!!!!». تخيلوا مدى الصفاقة والوقاحة والوضوح. وفي قول آخر له بعد فترة: «لا مانع لدينا من التنسيق مع أمريكا»، أي بالمعنى الصريح للعبارة: «نحن لا مانع لدينا من التنسيق مع أمريكا التي تقود الحرب علينا في محاربة الدولة الإسلامية التي تحاربنا بأمر أمريكا!!!». علىٰ أساس أن الدولة الإسلامية عميلة أمريكا كما يقول الإعلام السوري وكثيرٌ آخرون.
لا يختلف هٰذا الكلام عن سياق الشعار الذي رفعه النظام منذ بداية الثورة: إما أن تتوقفوا أو أحرق أنا سوريا!!!.
النظام يعلم أنَّ ما حدث ويحدث ثورة ومن ثمَّ فإن كل ادعاءاته باطلة، وكل ممارساته ممارساته علىٰ هٰذا الأساس واعية ومعلومة، وليست أبداً لمواجهة أي مؤامرة خارجية، وإنما لمواجهة الشعب. ومن ثمَّ لا يوجد أي ذريعة يتبرأون بها أو يدافعون بها عن أنفسهم.
حَتَّىٰ في الكذبات التي يرددونها هم يدينون أنفسهم إدانة قاطعة. أضرب مثالاً مجزرة الكيماوي التي قالوا وقالت بثينة شعبان إنَّ المعارضة اختطفت أطفال العلويين من الساحل وارتكبت بهم مجزرة الكيماوي في ريف دمشق. في الوقت ذاته كان أهالي الأطفال أنفسهم يوزعون الحلوى ويتبادلون التهاني والتبريكات!!! كيف استقام ذۤلكَ؟!؟! إنها المعادلة السابقة ذاتها التي لا تستوي حَتَّىٰ مع الحشاش في ذروة التحشيش، ولا مع أقصى درجات الهلوسة والهذيان.
هٰذا الشِّعار وحده كان كافياً لإثارة كلِّ ما نفس الشعب من تقزز واشمئزاز وإصرار على رفض هٰذا النظام، وعدم القبول بالتعايش معه. النظام هو الذي فرض علىٰ الشعب خياره الوحيد برهان كله حمق غير محدود. والعجيب الغريب أنَّهُ كلما بضعة أشهر كان يعيد استفزاز الشعب أكثر، فأكثر، فأكثر...
منذ بداية الثورة قلت هٰذا الكلام كثيراً ومراراً علىٰ منابر مختلفة. كان الكثيرون يسألونني عما أرى، وكنت أقول: «النظام معميٌّ علىٰ قلبه». أعني بذۤلكَ أنَّ سلوكاته تتجاوز الغباء كثيراً، فالغبي لا يمكن أن يتورط الورطات التي يقع فيها النظام... الغباء لا يفسر شيئاً من سلوكاته. وما زال حَتَّىٰ اليوم معميًّا علىٰ قلبه. فإلىٰ أين يمكن أن يصل؟ وماذا جنىٰ وماذا يمكن أن يجني حَتَّىٰ ولو انتصر، ولا يمكن أن ينتصر؟!