مدونة السلوك المهني للإعلام… خطوة تأسيسية لترسيخ الحرية المسؤولة وبناء الثقة المجتمعية
مدونة السلوك المهني للإعلام… خطوة تأسيسية لترسيخ الحرية المسؤولة وبناء الثقة المجتمعية
● محليات ١٥ فبراير ٢٠٢٦

مدونة السلوك المهني للإعلام… خطوة تأسيسية لترسيخ الحرية المسؤولة وبناء الثقة المجتمعية

أُطلق في العاصمة دمشق، برغاية وزارة الإعلام السورية، وحضور واسع لشخصيات حكومية وإعلامية ومنظمات من المجتمع المدني، وبمشاركة شبكة شام الإخبارية، "مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا لعام 2026"، تحت شعار “إعلام مهني.. وكلمة مسؤولة”، عكست التحول النوعي الذي يشهده الإعلام الوطني في سياق إعادة تنظيم المشهد الإعلامي وترسيخ معايير الحرية المنضبطة بالتزام مهني واضح.

جاء إشهار المدونة في مرحلة دقيقة تمر بها سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد وسنوت من تقييد حرية الإعلام، حيث تتقاطع التحولات السياسية والاجتماعية مع ثورة رقمية متسارعة، ما يفرض إعادة تعريف العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، وبين الانفتاح الإعلامي وضرورة وجود معايير أخلاقية ضابطة تحفظ التوازن وتحمي المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى المعلوماتية.

إطار تنظيمي لا بديل عن القانون بل مكمّل له
أكد ممثلو اللجنة المستقلة للمدونة أنها تمثل إطاراً للتنظيم الذاتي يعزز الاستقلال المهني ويحمي حرية التعبير من الاستغلال أو التسييس أو الاستخدام غير المسؤول، ولا تشكل بديلاً عن التشريعات النافذة.

فالمدونة، وفق القائمين عليها تُقرأ بوصفها عقداً مهنياً بين الصحفي ومجتمعه، يحدد حدود المسؤولية، ويعيد الاعتبار للكلمة باعتبارها أداة تأثير مباشر في الرأي العام، لا سيما في ظل تسارع انتشار المحتوى عبر المنصات الرقمية وتنامي دور الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأخبار والمعلومات.

أهمية المدونة في المرحلة الانتقالية
تبرز أهمية المدونة في كونها صدرت في سياق مرحلة انتقالية تتطلب وجود صحافة بناءة ومسؤولة، قادرة على دعم الاستقرار وتعزيز الوعي العام دون الوقوع في خطاب التحريض أو التضليل أو الإثارة غير المهنية.

وتشكل المدونة مرجعية معيارية تساعد المؤسسات الإعلامية على ضبط الأداء الداخلي، وتحديد آليات المساءلة المهنية، وتعزيز ثقافة التصحيح والشفافية، بما يسهم في استعادة ثقة الجمهور بالإعلام الوطني، وهي الثقة التي تُعد ركيزة أساسية لأي عملية إصلاح أو إعادة بناء.

كما تكتسب الوثيقة أهميتها من حجم المشاركة في إعدادها، إذ شارك في صياغتها نحو ألف صحفي من مختلف المحافظات، ضمن مقاربة تشاركية تعكس إرادة مهنية جماعية في إعادة تنظيم القطاع من الداخل، بعيداً عن الإملاءات الفوقية أو القرارات الأحادية.

الحرية بوصفها استثماراً وطنياً
في كلمته، أكد وزير الإعلام حمزة المصطفى، أن حرية التعبير تمثل “استثماراً وطنياً لا عبئاً”، مشدداً على أن المدونة التزام عملي وفوري من مؤسسات الإعلام، وليست مناسبة احتفالية عابرة، بل نقطة انطلاق لمسار طويل من التطوير المستمر.

وأوضح أن الحكومة تنظر إلى الإعلام بوصفه شريكاً في بناء الثقة وتعزيز السلم المجتمعي، وأن وجود مرجعية أخلاقية واضحة يسهم في حماية هامش الحرية المتحقق، ويمنع انزلاقه نحو الاستخدام غير المنضبط.

كما أشار الوزير إلى أن المدونة ستُراجع بشكل دوري من خلال مؤتمر سنوي، ما يعكس مرونتها وقابليتها للتطوير بما يواكب التحولات التقنية والمهنية المتسارعة.

دلالة التوقيع الرسمي والانفتاح الإعلامي
تُوّج إطلاق المدونة بتوقيع مديري الجهات الإعلامية الرسمية عليها منها مؤسسة الوحدة والوكالة الوطنية سانا وإذاعة دمشق وصحيفة الثورة السورية والهيئة العامة للإذاعة، في خطوة حملت دلالة رمزية وعملية في آنٍ معاً، إذ انطلقت عملية الالتزام من الإعلام الرسمي نفسه، ما يمنح الوثيقة بعداً تنفيذياً يتجاوز الإطار النظري.

وتزامن إطلاق المدونة مع مؤشرات انفتاح إعلامي متزايد، تمثلت في استقبال آلاف الوفود الصحفية الأجنبية خلال العام الماضي، واهتمام مؤسسات إعلامية دولية باتخاذ سوريا مقراً لعملها، ما يجعل وجود إطار مهني واضح ضرورة لحماية هذا الانفتاح وتعزيزه ضمن سياق وطني منظم.

مرجعية أخلاقية في زمن الفضاء الرقمي
في ظل بيئة إعلامية تتسم بالتدفق السريع للمعلومات، وتداخل الصحافة التقليدية مع المحتوى الرقمي وصناعة المحتوى الفردي، تكتسب المدونة أهمية مضاعفة بوصفها مرجعية أخلاقية مشتركة للصحفيين وصناع المحتوى على حد سواء.

ولا تقتصر المدونة على تنظيم العلاقة بين الصحفي والمؤسسة، بل تمتد إلى ضبط العلاقة بين الإعلام والمجتمع، عبر ترسيخ مبادئ الدقة والموضوعية والشفافية واحترام الخصوصية وحقوق الإنسان، ومنع خطاب الكراهية والتحريض.

وقد صدرت المدونة بثلاث لغات: العربية والإنكليزية والكردية، في إشارة إلى شموليتها ورغبتها في مخاطبة مختلف المكونات، وترسيخ قيم مهنية جامعة تتجاوز الانقسامات، وتعزز الهوية الوطنية الجامعة ضمن إطار إعلامي احترافي.

وبذلك تمثل مدونة السلوك المهني والأخلاقي لعام 2026 خطوة تأسيسية في مسار إعادة بناء المشهد الإعلامي السوري، ليس فقط كوثيقة تنظيمية، بل كإعلان التزام جماعي بأن الحرية لا تكتمل إلا بالمسؤولية، وأن الكلمة المهنية قادرة على أن تكون أداة بناء واستقرار في آنٍ واحد.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ