الزواج القسري للفتيات: بين العادات والتقاليد الاجتماعية وتداعياته السلبية
لا تزال بعض الأسر في سوريا تمارس نفوذها على حياة بناتها وقراراتهن المصيرية، ولا سيما في ما يتعلق بالزواج، حيث تُجبر الفتاة أحياناً على الارتباط بشخص لا ترغب به، بذريعة تأمين مستقبل مستقر لها، غير أن هذا النوع من القرارات المفروضة غالباً ما يخلّف نتائج سلبية تنعكس على حياتها الزوجية والشخصية على حد سواء.
وتعود ظاهرة الزواج القسري إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة في بعض البيئات، التي تكرّس فكرة أن قرار الزواج من صلاحيات الأسرة وليس الفتاة، كما تسهم الأوضاع الاقتصادية الصعبة، من فقر وتراجع مستوى المعيشة، في دفع بعض العائلات إلى تزويج بناتها باعتباره وسيلة لتخفيف الأعباء المادية.
ويضاف إلى ذلك ضعف الوعي بحقوق المرأة، إلى جانب هيمنة السلطة الأبوية داخل الأسرة، حيث يُهمَّش رأي الفتاة لصالح قرارات الولي، كما تلعب المخاوف المرتبطة بتأخر سن الزواج، وما يرافقها من نظرة اجتماعية سلبية، دوراً في التعجيل باتخاذ هذا القرار.
وفي هذا السياق، تروي جمانة العبدو (37 عاماً) من ريف إدلب الجنوبي تجربتها، مشيرة إلى أنها أُجبرت خلال دراستها في مرحلة البكالوريا على ترك التعليم والزواج من أحد أقاربها، رغم عدم قناعتها به.
وتوضح أنها حاولت الرفض أكثر من مرة، إلا أن والديها أصرّا على قرارهم، خاصة أن الشاب كان ميسور الحال مادياً، معتبرين أن إكمال دراستها لم يعد أولوية من وجهة نظرهم، وتضيف أن زواجها لم يكن قائماً على التفاهم، ما أدى إلى خلافات مستمرة بين الطرفين، انتهت بالطلاق بعد سبع سنوات، أنجبت خلالها طفلين.
من جهته، يقول فادي النايف، عامل دعم نفسي في المشفى الجراحي التخصصي بمدينة إدلب، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن إجبار الفتاة على الزواج دون رضاها، إلى جانب حرمانها من التعليم، يخلّف آثاراً نفسية خطيرة، من أبرزها الاكتئاب، القلق، وفقدان الثقة بالنفس، وقد يصل في بعض الحالات إلى كره الذات أو الأهل، ما ينعكس سلباً على الحياة الزوجية والاستقرار الأسري.
ويضيف أن هذه الممارسات قد تقود إلى علاقات زوجية فاشلة ومشكلات أسرية متفاقمة، وقد تنتهي بالطلاق، ويؤكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكثيف جلسات التوعية التي تنفذها المنظمات الإنسانية والجهات الفاعلة في المجتمع حول حق الفتاة في اختيار شريك حياتها، ودعم حقها في التعليم، إلى جانب تعزيز الحوار داخل الأسرة، ومنع الزواج القسري عبر الأطر القانونية، والتشديد على أن الزواج يجب أن يقوم على القناعة والرضا المتبادل، لا على الإكراه.
في المحصلة، يؤدي فرض الزواج على الفتيات وحرمانهن من حقهن في التعليم إلى تداعيات نفسية واجتماعية عميقة، تشمل ضعف الثقة بالنفس، تصاعد الخلافات الأسرية، وتراجع الاستقرار الزوجي، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى التوعية المجتمعية وضمان حق الفتاة في الاختيار، بما يحقق لها ولأسرتها حياة أكثر توازناً واستقراراً.