مقالات مقالات رأي بحوث ودراسات كتاب الثورة
٣ أكتوبر ٢٠١٥
عناق الدب الأوحد

لم يعد الحديث، الآن، مجرد تكهنات أو تسريبات أو تلميحات. بات حقيقة ملموسة، لن يكون ما بعدها مماثلا ما قبلها. ليس على الصعيد السوري فحسب، بل على مستوى توازنات القوى الدولية. لم يعد التدخل العسكري الروسي في سورية مجرد فرضيات، فها هي الطائرات الروسية تصول وتجول في الأجواء السورية، وتقصف ما طاب لها من الأهداف أمام أنظار الولايات المتحدة وتحالفها الدولي الذي أطبق عامه الأول في محاربة داعش، من دون أن يحقق أي نتيجة، لا في العراق ولا سورية.
استغل الروس بالتأكيد هذه الرمزية في هذا التوقيت، للدخول على خط الحرب العالمية السورية، وليلعبوا دوراً طال انتظاره بالنسبة لهم، تحت مسمى "محاربة داعش". وهو عنوان عريض جديد ومطاط، ومفتوح على احتمالات نسبية، وتأويلات لا تعد ولا تحصى، خصوصاً بالنسبة إلى موسكو التي تتبنى، بشكل كامل، رواية النظام السوري وحلفائه. ومن هنا، تكون من السذاجة الإشارة الأميركية والفرنسية، وغيرهما من الإشارات إلى أن الغارات الروسية لم تستهدف مواقع تنظيم الدولة الإسلامية، بل ضربت أهدافاً للمعارضة السورية والجيش الحر. من قال إن الروس يفرّقون بين هذا وذاك، طالما أنهم يسيرون وفق التعريف السوري الرسمي لـ "داعش". فبحسبه، كل معارض للنظام يطالب بالتغيير هو من "الإرهابيين" الذين يستحقون القتل والسحق. كان هذا الكلام قبل ظهور داعش بكثير، وحتى قبل بروز قطعة سلاح في يد أي معارض سوري. كل من يعارض إرهابي ويستحق القتل؛ كانت هذه التعليمة السورية للأنصار الإعلاميين وغيرهم من الحلفاء، ولا تزال قائمة، وبالنسبة إلى الروس هذا هو المنهج الحق الذي يجب السير عليه، أي قتل كل من هو معارض للنظام، كان من داعش أو غيرها، لا فرق، فهذه هي رؤية النظام السوري التي يطبقها الروس بحذافيرها.
ثم من كان يتوقع دقةً من الروس في غاراتهم على الأراضي السورية، ومن قال إن الروس حريصون على أرواح الأبرياء السوريين أو المقاتلين المعارضين غير المنتمين إلى داعش. هم على أراضيهم لا يقيمون وزناً لهذه المعايير، فما بالك في الأراضي الخارجية. لنتذكّر، على سبيل المثال لا الحصر، حادثتي مسرح موسكو في 2002 ومدرسة بيسلان في 2004. في الأولى، وأثناء التعاطي مع أزمة احتجاز مسلحين شيشان رهائن، أطلقت الشرطة الروسية غازاً ساماً في المسرح للانتهاء من القضية بعد مفاوضات عقيمة، فقتلت القوات الروسية 39 من المهاجمين، وما لا يقل عن 129 من الرهائن، معظمهم بفعل المادة السامة. وفي الثانية، أيضاً بعد ثلاثة أيام من المفاوضات مع مسلحين اقتحموا مدرسة في مدينة بيسلان الروسية واحتجزوا أكثر من 1100 شخصٍ. اقتحمت القوات الروسية المدرسة، مستخدمة الدبابات والأسلحة الثقيلة، وانتهت العملية بمقتل 396 رهينة على الأقلّ، من بينهم 186 طفلاً.
هذا هو المنطق الروسي في التعاطي مع الأزمات، وهو شبيه، إلى درجة كبيرة، بما يقوم به النظام السوري منذ أربع سنوات. وإذا كان هذا أسلوب موسكو في الداخل، وفي زمن "الانكفاء إلى الداخل" الذي كان قائماً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وقيام نظام القطب العالمي الأوحد، فكيف من الممكن أن تكون عليه الأمور، بعدما وجدت موسكو الفرصة سانحة، ليس لاستعادة مرحلة الحرب الباردة والقطبين فحسب، بل ولعب دور القطب الأوحد، بعدما أخذت السياسة الأميركية في عهد باراك أوباما بالانسحاب تدريجياً من الصراعات والنزاعات الخارجية؟ هي فرصة موسكو التي لا تعوّض لإثبات أن في مقدورها ملء الفراغ الأميركي، والنجاح حيث فشل الآخرون، سواء في محاربة داعش أو في إنهاء الأزمة السورية التي تثير قلق الدول الغربية التي باتت تبحث عن حل بأي ثمن، وليكن على الطريقة الروسية.
عناق الدب الروسي كان مكلفاً داخلياً في مراحل الصعود الجديد للدولة الاتحادية، وسيكون مكلفاً جداً في زمن التمدد الإمبراطوري الساعي إلى البروز قطباً عالمياً وحيداً، لا حل من دونه.

اقرأ المزيد
٣ أكتوبر ٢٠١٥
حرب "مقدسة" على ملايين السوريين

في سياق تنفيذ التوجهات الروسية الفعلية في سورية، قام الطيران الروسي، قبل ظهر الأربعاء، الثلاثين من سبتمبر/أيلول الماضي، بأولى عملياته الجوية، مستهدفا خمس مناطق حول حمص. العملية الجوية أودت بحياة 36 مدنياً من المحاصرين منذ نحو عامين. ويأتي سقوط هؤلاء الضحايا متسقاً مع خط بياني مستقر للاستهداف المنهجي والمنظم للمدنيين السوريين، منذ شرع النظام في شن حربه على شعبه. وبما أن هناك تلاقياً في الرؤى والسياسات بين موسكو ودمشق، لم يكن غريباً أن يلتزم الطيران الروسي بأمر العمليات الثابت والدائم باستهداف المدنيين باعتبارهم "حاضنة للإرهاب". وعلى النحو نفسه، جرى ويجري، وبأسلحة روسية، تدمير المدن التي توفر "بيئة للإرهاب". وتم قذف عشرة ملايين سوري خارج الحدود، مع مطاردتهم بالمقاتلات والشتائم، لأنهم "دواعش يؤيدون الإرهاب". وحدث، خلال 54 شهراً من هذه الحرب، أن قضى نحو عشرين ألف طفل سوري (بعضهم تحت التعذيب)، لأن هؤلاء مرشحون لأن يصبحوا، في مستقبل الأيام، "ارهابيين". والقضاء على الإرهاب، في منظور النظام، يستلزم فعل كل شيء، بما في ذلك العمل على إبادة أغلبية الشعب واستئصالها. والقيادة الروسية، كما ثبت من شواهد عديدة، معجبة بهذا التحليل، وما يرافقه من أداء عسكري ضد كل مظاهر الحياة والطبيعة والعمران في سورية (خارج مناطق "سورية المفيدة").
تبين للقيادة الروسية، وقبلها القيادة الإيرانية، أن الاستغناء عن غالبية الشعب السوري أمر حيوي من أجل تثبيت تحالف بلديهما في وجه الغرب. ويجري استخدام عبارة الحرب على داعش والتكفيريين كلمة سر معلنة، لخوض حرب ضارية، بمختلف أنواع الأسلحة، وبلا توقف، ضد المدنيين والمرافق المدنية، بما فيها دور العبادة والمستشفيات والمدارس والأسواق الشعبية. أما داعش نفسها فكنز استراتيجي، يجري استثماره والحفاظ على وجوده، من أجل استكمال "الحرب المقدسة" على السوريين، بأغلبيتهم المسلمة، وبما يتعدّى هذه الأغلبية من الطوائف والأقليات الأخرى التي تعترض على هذه الحرب، وتنشد الحرية والكرامة والسلام لشعبها. وجدت القيادة الإيرانية مبكراً، في المنظور الطائفي المذهبي، مدخلاً صالحاً، لخوض هذه الحرب والتعبئة "الثورية" من أجلها. أما داعش فمتروكة في مركزها، وقد تركها النظام أكثر من عام في الرقة، كي تثبت أقدامها. الميليشيات الإيرانية، ومنها ميليشيا حزب الله وأبي الفضل العباس وغيرها، تقاتل المعارضة المعتدلة وبيئة "الإرهاب"، والمقصود السوريين السنة في أماكن إقامتهم، حتى لو كان بينهم من ينتمون إلى طوائف أو أقليات أخرى.
الخطابات المتناسلة للقيادة الروسية حول الحملة على داعش والإرهاب، لا يُراد منها محاربة
"تبين للقيادة الروسية، وقبلها الإيرانية، أن الاستغناء عن غالبية الشعب السوري أمر حيوي من أجل تثبيت تحالف بلديهما في وجه الغرب"
هذا التنظيم الإرهابي، كما يدل الواقع وتوضح الوقائع، إلا هدفاً متأخراً ومفترضاً، أما الهدف الأول والأكبر فهو فك عزلة النظام ومكافأته على الحرب التي يشنها على شعبه، بإقامة تحالف دولي واسع، يشارك فيه هذا النظام، كما لا تكتم القيادة الروسية ذلك، وهي التي كانت قد رفضت قيام تحالف دولي إقليمي ضد داعش، وترفض، حتى الآن، الانضمام إليه، ذلك أنها، في واقع الحال، معنية بأمر آخر، بالغنيمة الذهبية التي حازتها بتوسيع وجودها العسكري وتثبيته على الأرض السورية، ومن دون قيد أو شرط عليه. وخلال ذلك، تخوض حرب النظام العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية ضد حقوق السوريين في الحياة والحرية والعدالة والكرامة، باعتبار هذه الأهداف تنتمي إلى عالم الإرهاب.
جرّب السوريون، على مدى الأعوام الأربعة الماضية، الأسلحة الروسية من طائرات ميغ وسوخوي وصواريخ غراد وسام. وبهذه الأسلحة، تم تدمير حماة وحلب وحمص ودير الزور ودرعا ريف دمشق، وها هم الروس بأنفسهم قد أتوا بأسلحة أكثر تطوراً، لتقويض ما تبقى من مظاهر الحياة والعمران، وللفتك بمن تبقى من السوريين، جنباً إلى جنب مع قوات النظام. وتجري تسمية هذه الحرب بأنها حرب على الإرهاب، وهي شبيهة بالحروب الاستعمارية في القرن التاسع عشر، وبحروب المستوطنين الأوربيين في أميركا وأستراليا وكندا ونيوزلندا على السكان الأصليين في القرن السابع عشر، وبالحرب الصهيونية البريطانية على شعب فلسطين.
تضيف الاستهانة المطلقة بأرواح مئات آلاف البشر في هذه الحرب على السوريين العنصرية إلى البربرية، فقد استقر، في أذهان القائمين على هذه الحرب، أن وجود الشعب السوري، بأغلبيته الغالبة، غير مفيد، ومن الحيوي الاستغناء عنه، والتخلص منه، وتسمية هذه الحرب بأنها حرب على الإرهاب. وبما أن لدى البشرية حساسية شديدة ضد الإرهاب، وبما أن الإرهاب يلتصق بالمسلمين السنة دون غيرهم، وبما أن السوريين، في غالبيتهم، مسلمون سنة، فسوف تكون هذه الحرب، من الناحية الدعائية، سهلة، ويجب أن تجمع روسيا وإيران والغرب معا، بما يفيد في النتيجة باعتراف غربي بمناطق النفوذ الإيرانية والروسية في الشرق الأوسط. وهكذا، تتم هزيمة أميركا والغرب بإزاحة عقبة الشعب السوري الذي يزعج النظام في بلده. ويتاح لإيران خوض حربها المقدسة التي طالما منّت النفس بها، الحرب ضد أكثرية المسلمين (مليار مسلم فقط) مرموزاً لهم بالسنّة في سورية واليمن، الذين تساندهم المملكة العربية السعودية وقوى سنيّة أخرى. مع السعي، في الأثناء، إلى اجتذاب قوى سنيّة، وإقامة علاقات معها، مثل حركة حماس، أو القاهرة، على الرغم من التباعد بينهما، من أجل التغطية والتمويه، ونفي العامل الطائفي المذهبي (الحاضر بقوة وسطوع) عن هذه الحرب "المقدسة". وقد لوحظ أن طهران انفردت بين دول العالم، ورحبت ترحيباً حاراً، الأربعاء الماضي، بالغارات الجوية الروسية التي قتلت عشرات المدنيين.
في هذه الأثناء لا تمانع القيادتان، الروسية والإيرانية، في الحديث عن أن الشعب السوري هو من يقرر مصير الحكم في بلاده. إبادة الشعب واقتلاعه وتشريده، ثم الاحتكام اللفظي إليه! استخدام هذه العبارة مفيد، لأنه يتماشى مع مفهوم كوني عالمي، فلماذا لا تُستخدم؟ البشر كثيراً ما يتوقفون عند الألفاظ والعبارات والتصريحات والأقوال، بأكثر من تركيزهم على الوقائع والممارسات والمجريات. وبهذا، من المفيد والحيوي خداعهم بمثل هذه العبارة، وبغير أن تتوقف الحرب المقدسة على ملايين المدنيين السوريين. وهذا ما دأبت عليه طهران وموسكو.
سوف يذكر التاريخ، ابتداء من مقبل السنوات القريبة، أن القيادة الروسية خاضت حرب إبادة وتطهير ضد شعب عربي عريق، وأنها ألحقت إساءة بالغة جداً، وضرراً جسيماً بالعلاقات الروسية العربية، وانتهجت نهجاً استعمارياً ضد شعب بريء ومضطهد، في زمن طوى فيه العالم الحقبة الاستعمارية، واعتبرها من الشرور الأخلاقية الواجبة التصفية.

اقرأ المزيد
٣ أكتوبر ٢٠١٥
سورية ورقة مقايضة

توقفت سورية عن أن تكون بلداً كامل السيادة، منذ تولت إيران شؤون الأمن الداخلي للبلد في بداية الثورة السورية عام 2011، غير أن الأمر، في ذلك الوقت، لم يكن ظاهراً للعيان، وبقيت التدخلات الإيرانية تتم بعيداً، وفي سرية تامة، لأنها كانت ترتكز على عمليات أمنية استشارية، وخصوصاً تصدير خبرات الأجهزة الإيرانية في مجال القمع التي اكتسبتها، بصورة خاصة، من مواجهة ثورة 2009 الخضراء. وتسرّبت في ذلك الوقت معلومات، على نطاق ضيق، عن إنشاء إيران غرف عمليات أمنية في المدن السورية الكبرى، مثل دمشق وحمص ودرعا، هدفها رصد المتظاهرين على الأرض وتصويرهم، ثم تقديم المشورة للأجهزة السورية لمطارداتهم. وهكذا تم القضاء على الصف الأول من قيادات التنسيقيات السلمية، واعتقال الصفين الثاني والثالث، وشملت المساعدات الإيرانية، في تلك الفترة، أدوات التجسس على الهواتف وشبكات الإنترنت، وكثيراً ما جرى اعتقال ناشطين من مقاهي إنترنت في أحياء بعيدة عن مراكز المدن، بفضل تكنولوجية الرصد الإيراني، الصينية المنشأ.

وحين اتسع نطاق الثورة، صارت التدخلات تأخذ الطابع المباشر، من خلال إرسال الخبراء العسكريين والأسلحة والمليشيات، ووصل الأمر إلى الحراسات المكلفة بأمن الرئيس السوري شخصياً. ويقول العارفون، إن الدائرة الأمنية المكلفة بأمن بشار الأسد إيرانية مائة في المائة. وامتدت التدخلات الإيرانية إلى الشأن الاقتصادي، من خلال الديون والمساعدات، حتى صار مطلعون يتحدثون عن شراء إيران ضواحي في بعض المدن السورية، مثل دمشق وحمص، مقابل ديون على النظام، وهذا ما يفسر الإصرار الإيراني على نقل سكان كفريا والفوعة الشيعة إلى الزبداني، ونقل سكان الزبداني السنة إلى ريف إدلب، وهذه المقايضة ذات بعد طائفي مباشر، ضمن مخطط إيراني، يمتد من الساحل السوري حتى جنوب لبنان.
لم تكن روسيا بعيدة عن هذه المقايضات، فهي طرف في جانبيها السياسي والأمني، فدعمها النظام السوري لم يتوقف طوال السنوات الأربع الماضية، وبات النظام يدين لموسكو بمليارات الدولارات، ويعلم الروس أن تحصيل هذه الديون ليس مطروحاً في الوقت الراهن، وأنهم سيحصلون مقابلها على قواعد عسكرية وحضور أمني، لكن الأمر تطور، في الآونة الأخيرة، إلى حد أن الروس صاروا يلوحون بالورقة السورية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة وتركيا والسعودية. وللأطراف الثلاثة، أيضاً، كلمتها المسموعة جداً في الشأن السوري، بفضل حلفائها من الفصائل المسلحة على الأرض. وتبدت المقايضات الروسية الأميركية خلال أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، في كلمتي الرئيسين الأميركي، باراك أوباما، والروسي، فلاديمير بوتين، فكلاهما ضرب على الوتر الحساس، وهو عقدة الأسد التي باتت أثمن ورقة مساومة بالنسبة للروس، وهما اختلفا عليها، في اليوم الأول، ثم عادا إلى تخفيض سقف المساومات، في اليوم الثاني، وتبيّن أن الروس لا يريدون بيع هذه الورقة الآن، لأنهم لم يحصلوا على السعر المناسب بعد، وليست ورقة بشار الوحيدة التي يملكها الروس، بل إن الكثير من أوراق التفليسة السورية صارت في يدهم، وهم كتجار بازار سيستثمرون الوضع السوري سنوات طويلة، مستفيدين من وجود الأسد وداعش، وكان أطرف ما تسرب عن لقاء أوباما بوتين، أن الرئيس الأميركي طلب من نظيره الروسي وقف قصف المدنيين بالبراميل "مقابل شيء ما" تحصل عليه روسيا.
واقع الحال يقول، إن سورية تحولت إلى ورقة مساومة، بكل ما فيها، وهي مفتوحة لكل من هو قادر على البيع والشراء. وحتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن السنوات الأربع الماضية أفرزت حالة من التمزق التي ستظل تتغذى من ميراث حروب الداخل والخارج. ولكي تعود سورية بلداً مستقلاً ذا سيادة، فإنها بحاجة إلى أكثر من حرب تحرير.

اقرأ المزيد
٣ أكتوبر ٢٠١٥
متى تتحد فصائل الثورة السورية؟

لو أحصينا المناشدات الموجّهة لقادة الفصائل بالتوحد من هيئات ومنظمات وعلماء وناشطين وثوار لما وسعتْها كتب ومجلدات، فكم خُصص لها من اعتصامات ومظاهرات وأسماء جُمَع ! وكم تفنن الأدباء والشعراء والرسامون في بيان فوائد الوحدة وخطر الفرقة !

كل ذلك دون جدوى حتى الآن، لدرجةٍ جعلت البعض ينهال بالسباب والشتم على قادة الفصائل، بل لقد ذهب البعض الآخر لتخوينهم، فيما التمس آخرون لهم العذر، وظل آخرون يندبونهم للوحدة بأساليب المناشدة والترغيب دون أن يقطعوا الأمل من الاستجابة لمناشداتهم يوماً ما.

لكن السؤال الذي يطرحه الجميع: لماذا؟ نعم لماذا لم تتم الاستجابة لنداءات الوحدة؟ هل لأمر خارج عن إمكانات القادة؟ هل هي سياسة الداعمين؟ هل هي رغبة الدول؟ هل هي الإملاءات والأجندات؟ هل هي الأيديولوجية الخاصة ببعض الفصائل؟ هل هي حُبُّ القيادة والزعامة عند القادة؟

لن أبالغ إن قلت إن السبب الأهم في فرقة الفصائل، هو سياسة الداعمين، فالكل يعلم حاجة الفصائل للتمويل، لدفع رواتب عناصرها وشراء السلاح وتأمين ذخيرة للسلاح الثقيل والخفيف، ودفع نفقات المقرات وتنقل العناصر والقادة، وإطعام المرابطين وكفالة الجرحى والشهداء، وغير ذلك من المستحقات المالية التي لا يمكن أبداً لفصيلٍ أي يؤمنها لوحده.

بل لابد من توافر داعم أو أكثر لكل فصيل، والذي قد يكون جمعية أو هيئة أو دولة وفي بعض الأحيان يمكن أن يكون الداعم مجموعة من أصحاب رؤوس الأموال.

والملاحظ أنه وخلال الفترة الماضية لم تلتقِ مصالح الداعمين وإرادتهم لدفع الفصائل نحو اتحاد شامل، بل على العكس كثيراً ما كانت سياساتهم تتجه لفرط عقد الأجسام المشكلة من توافق فصائل عدة، كالجبهة الإسلامية، والجبهة الشامية، وغيرها.

ولعل في تجربة مبادرة "واعتصموا" التي لم تلقَ أي دعم مالي لمجلس قيادة الثورة الذي انبثق عنها، خير دليل على قطيعة الداعمين لكل مشروع يصنع بإياد وطنية داخلية متجاهلاً رغبة الداعمين وموافقتهم ومشورتهم.

مما يعني أن الداعمين للآن لم يرضوا بقيام جسم عسكري ثوري ينسلخ عن المسميات التي ارتبط كل منها بداعم معين، ولم يرضوا أن ينصبَّ دعمهم جميعاً لجسم موحد يجمع الفصائل، وبالتالي فإن دعوة الفصائل للوحدة في هذه الحالة تشبه دعوتها لحلّ نفسها من خلال التخلي عن دعمها الذي تتلقاه والذي لا يتيح لها حرية القرار بالوحدة مع فصيل آخر دون موافقة الداعم، وفي ذات الوقت لا يوجد فصيل واحد يمتلك من الدعم ما يجعله يستقطب كل الفصائل الأخرى ويتكفل بهم.

فما هو الحل إذاً؟ وكيف يمكن للفصائل أن تتحد في ظل هذه الظروف الصعبة؟

الحل - برأيي – ممكنٌ عبر خيارين:

الأول: الاعتماد على التمويل الذاتي للفصائل، بحيث تستغني عن أي دعم خارجي يتلاعب بمصيرها ويتحكم بقرارها، وعند ذلك فإن الضغوط الشعبية مع الحاجة العملية ستجبر الجميع على الوحدة، وخلط الموارد في صندوق دعم موحد، وللأسف فقد فرّطت الفصائل بأهم مورد ذاتي ألا وهو "النفط" حيث انتبه له تنظيم الدولة واستولى على آباره شرق البلاد وحرم منه الفصائل، فيما لم تنجح محاولات الفصائل لخلق موارد استثمارية محلية سوى في تأمين جزء بسيط لا يكاد يفي بالحد الأدنى لمتطلبات كتيبة أو لواء صغير ناهيك عن تأمين احتياجات فصيل أو تشكيل كبير.

وعليه فلا بد من استعادة موارد التمويل الذاتي من التنظيم، ويتم ذلك باجتماع الفصائل من محافظات الشمال والساحل لاستعادة موارد البترول والاعتماد عليها للتمويل الذاتي.

الثاني: هو دفع الدول الداعمة للاتفاق على دعم جسم موحد، ويكون ذلك إما ببادرة من هذه الدول مجتمعة، أو ببادرة من الفصائل مجتمعة، ولعل المتتبع للدول الداعمة للفصائل لا يجد صعوبة في ملاحظة أهم ثلاث دول وهي (قطر -السعودية - تركيا) وهي كافية لإنجاح مشروع الوحدة، ان اتفقت على دعم جسم موحد يشمل أهم الفصائل على الساحة السورية، والأفضل أن يأتي ذلك بمبادرة منها لما بين الفصائل ما صنع الحداد، وهذا يتأتى من إدراك هذه الدول أن من مصلحتها توحيد الفصائل لتعجيل النصر وتحقيق الحسم ومساعدة السوريين لبناء سورية موحدة متعاونة مع أشقائها، دون أن تكون مزرعة لأية دولة، مع احتفاظها بالودّ والمعروف لكل من أسدى أليها معونة، كما أن هذا القرار يحتاج إلى جرأة وصلابة أمام الرقابة الأمريكية الرافضة لإنهاء الصراع الآن، مالم ترَ بديلاً مناسباً للأسد.

وإن تأخرت الدول في هذه الخطوة فما على الفصائل إلا الاجتماع واتخاذ قرار بالوحدة ووضع الدول تحت الأمر الواقع عبر الإصرار على جسم واحد لا يمكن مخاطبة الثورة إلا من خلاله الأمر الذي سيجبر الداعمين وبعد مدة من صبر الفصائل على التعامل مع هذا الجسم ودعمه.

..

ولسائل أن يقول: أين أذاً تأثير الأيدولوجيات الخاصة ببعض الفصائل، الجواب أن نسبة الفصائل المتأثرة بالأيديولوجية قليلة وهي في انحسار لصالح الخط الثوري العام الذي يستوعب الثائرين السوريين في ثورة شعب.

كما أن تمسك القادة بالسلطة لا يصمد أمام تحدي فقدان الدعم، خاصة في ظل تذمر الشعب من فُرقتهم، ورغبة البعض منهم بإلقاء الحمل عن عاتقه.

...

لذا فخلاصة القول: إن المخاطبين بإنجاح مشروع الوحدة هم الداعمون بالدرجة الأولى دولاً كانوا أو هيئات أو أفراداً، مع توافر الإرادة عند قادة الفصائل، وعلى الجميع أن يتقي الله، ويتحلى بالمسؤولية الكاملة أمام الدماء التي سالت، فيقدم مصلحة إنقاذ سورية ولم شمل الفصائل على أي مصلحة خاصة.

اقرأ المزيد
٢ أكتوبر ٢٠١٥
روسيا واستباحة العرب

تمثل الغارات الجوية، التي شنها الطيران الحربي الروسي داخل أراضي سورية، تحولاً نوعياً خطيراً في الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة العربية، وسيكون له ما بعده في موازين القوى والصراع في المنطقة. تقول روسيا إن ضرباتها التي وجهتها، أول من أمس، كانت ضد "تنظيم الدولة"، وهو ما نفته تقارير إخبارية عديدة، مشيرة إلى أن الغارات الروسية استهدفت مواقع لفصائل المعارضة السورية، وأوقعت مدنيين كثيرين، وهو ما أطلق حملة تنديدات دولية ضد موسكو.
دخول روسيا على خط الحرب في سورية هو بمثابة البداية لتحول الصراع هناك إلى حرب دولية غير مباشرة، لا يعرف أحد أين ومتى ستتوقف، فالتحرك الروسي جاء بعد أن منح "الكرملين"، بالإجماع، الرئيس فلاديمير بوتين، تأييداً لشن ضربات داخل سورية، حسبما ذكرت وكالة الأنباء الروسية "إنترفاكس". الأكثر من ذلك أن الضربات الروسية جاءت بعد أسابيع قليلة من أنباء تم تداولها حول إرسال روسيا جنوداً وأسلحة وقطعاً عسكرية إلى سورية، وهو ما نفته موسكو، لكنه أصبح حقيقة. والمعروف أن روسيا تمتلك أكبر قاعدة عسكرية خارج أراضيها في ميناء طرطوس، والتي تعتبر المنفذ الوحيد لها على المياه الدافئة فى البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي.
يعكس التدخل العسكري الروسي فى سورية مخاوف موسكو من إمكانية سقوط نظام بشار الأسد، وسعيها إلى حمايته بكل الطرق، حتى ولو كان الثمن التورط فى حرب خارجية، كما هي الحال الآن. ولن تتوقف موسكو عن تحقيق هذا الهدف، لأسباب استراتيجية واقتصادية وسياسية كثيرة. وبدلاً من أن الحرب في سورية كانت تتم بالوكالة طوال العامين الأخيرين، فإننا الآن إزاء حرب صريحة بين القوى الدولية والإقليمية في المنطقة، تجري على الأراضي السورية. وإذا كانت الولايات المتحدة تقود تحالفاً دوليا ضد "داعش"، فإنه من المفارقة أن تنفرد روسيا بالعمل خارج هذا التحالف، على الرغم من ادعائها بمحاربة الدواعش.
بكلمات أخرى، من يحارب الآن فى سورية ليس نظام الأسد، وإنما بالأساس نظام بوتين الذي يحاول، بكل الطرق، أن تكون له اليد العليا في صراعه مع الغرب، كما الحال في أوكرانيا ودول البلقان. ويرى بوتين أن إسقاط الإسد هو بمثابة إسقاط له ولهيبة بلاده. لذا، فهو على استعداد لتعزيز وجوده العسكري في سورية، من أجل ضمان البقاء هناك بأي ثمن وتحت أية لافتة. الطريف، هنا، أن النظام السوري لم ينزعج، أو يرفض التدخل العسكري الروسي، بل كان الداعي إليه. وذلك على عكس ما فعل مع الضربات التي وجهها التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد "داعش" قبل حوالي عام. وإذا ما وضعنا الضربات الروسية ضمن السياق الدولي الأوسع، يمكننا القول إن بشار الأسد هو من يحارب نيابة عن بوتين، وليس العكس، فالأخير يدير معركة "كسر عظم" مع الغرب، في ملفات أخرى ملتهبة، مثل ملف أوكرانيا والعلاقة مع حلف الناتو...إلخ. ويحاول استخدام كل أدواته، من أجل مناورة الغرب والضغط عليه من أجل تحقيق مصالحه الإقليمية والدولية.
المدهش أن الدول العربية لم تعلق، حتى الآن، على التدخل العسكري الروسي في سورية، سلباً أو إيجابا. ويبدو أن هذا التدخل قد أصاب الجميع بالمفاجأة، ليس فقط لقوته وجرأته، وإنما أيضاً لأنه يتحدى كل المحاولات والمبادرات التي طُرحت قبل فترة، وكانت تهدف للتخلص من بشار الأسد أساساً لحل سياسي هناك. وبينما يشن الطيران الروسي ضرباته ضد الشعب السوري، فإن هناك من يسعى إلى إنقاذ بشار الأسد بحجة الحرب على الإرهاب. وهنا، يجتمع هؤلاء مع الروس والإسرائيليين تحت المظلة نفسها، التي يستخدمونها جميعاً، لا لشيء سوى لاستباحة الشعوب العربية وإسكاتها.

اقرأ المزيد
٢ أكتوبر ٢٠١٥
الأسد يتذوّق اللحم الإسرائيلي

  عملياً وواقعياً، هناك حلف يحارب في سورية الآن، يضم روسيا وإيران وإسرائيل والصين وحزب الله وبشار الأسد، حتى وإن كان المعلن أن الغارات الجوية على المدنيين ومراكز المعارضة السورية حصرياً للقوات الروسية، وأن الوجود البري الداعم لبشار الأسد يقتصر على الإيرانيين وميليشيا حزب الله.

لا تكون المشاركة في الحرب بإرسال القوات، أو العتاد فقط، وليس  بتقديم الدعم المعلوماتي، وحده، تتحقق المشاركة، إذ يكفي أن يعبر طرف عن تفهمه لتحرك طرف آخر عسكرياً في منطقة ما، ملاصقة له، أو أن يعلن الطرف المتورط بالحرب أنه أحاط الثاني علماً قبل التحرك، وحصل على موافقته.

وهذا ما يتحقق في الموضوع السوري، إذ أعلن الروس أنهم أخطروا الصهاينة، وأحاطوهم علماً بالضربات الموجهة إلى الأهداف المحددة في سورية، والتي ليس من بينها مواقع تخص تنظيم الدولة، بل، وليس في الأمر مساحة، ولو صغيرة للخطأ أو للمصادفة، كل الأهداف التي ضربت تخص قوى المعارضة المشاركة، منذ اليوم الأول، في الثورة على نظام بشار الأسد.

عند التدقيق في الصور والخرائط الخاصة بالتحالفات، لا يمكن الفصل بين التصعيد الإيراني، على جبهة الابتزاز، ضد السعودية، استثماراً لعواقب حادث التدافع في منى، عن بداية الضربات الروسية ضد جماعات المعارضة السنية المعتدلة، إذ يبدو المساران متوازيين، متناغمين، بدقة شديدة، كأولى ثمار الحلف الرباعي الذي أنشأته موسكو، ويجمعها بكل من دمشق وبغداد وطهران.

الاستثمار الإيراني، الرخيص، فيما يسمى "الدماء الطاهرة"، وفقا لتعبير آيات الله، وجنرالاتهم، وصل إلى حد التهديد بتحرك عسكري ضد السعودية، رداً على حادث منى، الأمر الذي ينتقل بالفعل الدبلوماسي الإيراني إلى مرحلة العري الطائفي الكامل، من ناحية، ويرمي إلى إغراق السعودية في أزمة موسم الحج، بما يعزلها كلياً عن الموضوع السوري.

إذن، تتحول سورية، هنا، إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، إذ يحضر الموضوع اليمني، إيرانيا، كما يحضر الموضوع الأفغاني قديماَ والليبي حديثا، روسياً، فيتأسس تحالف المنتقمين، مستدعياً "داعش" لافتة أنيقة، والحرب على الإرهاب، مدخلاً واسعاً للقتال، بينما الأهداف الحقيقة هي الربيع العربي، والطائفة والمذهب.

في المقابل، تقف كل من واشنطن وتل أبيب مرتاحتين تماماً لما يجري، على طريقة دعهم يصفون بعضهم في حرب الجميع ضد الجميع، بل إن إسرائيل لا تخفي تفضيلها خيار الإبقاء على بشار الأسد، هزيلاً ذليلاً، يعيش في كنف الروس، ولا يرفض تذوق اللحم الإسرائيلي، ويكف عن التغني الكذوب بأحاديث الممانعة، وحواديت الصمود والتصدي للعدو الصهيوني الامبريالي، إلى آخر هذه القائمة من الشعارات الحريفة.

وما ينطبق على النظام السوري، فيما يخص عدم الممانعة لإشراك إسرائيل في الحرب، ولو بسلاح الصمت الراضي، ينسحب على حزب الله الذي يتحول، هنا، من جماعة مقاومة للاحتلال إلى ميليشيا طائفية، تقاتل من أجل المذهب والمرجعية، وبالتالي، سيكون شيئاً أقرب إلى الكاريكاتور، لو بقي أصحاب حناجر القومية والمقاومة يواصلون هذا الهراء عن النظام الذي يرعب إسرائيل، وأسد المقاومة الذي يزأر، فتهتز جدران الكنيست.

إن الموقف باختصار كالآتي:

*موسكو وطهران تحاربان، جواً وبحراً، من أجل بقاء رجلهما بشار الأسد.

* روسيا نسقت مع إسرائيل، وأطلعتها على الموقف قبل الحرب.

* إسرائيل سعيدة بالحرب على "الإرهاب".

* طهران وتوابعها، مشاركون مادياً في تحقيق ما يحقق سعادة إسرائيل

* النتيجة: روسيا وإيران وإسرائيل وبشار وحسن نصر الله يد واحدة.

يبقى، هنا، أن تسأل عن موقف عبد الفتاح السيسي مما يدور، وأظن أنه يمكن قراءة ذلك في ضوء تصريحاته الأخيرة في نيويورك بشأن الدعوة إلى توسيع معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، لتضم الدول العربية، وأيضاً حديثه عن استحالة فطام النظام المصري عن حليب الإدارة الأميركية، باختلاف مذاقاته، ديمقراطياً كان أم جمهورياً، كما يمكنك الرجوع إلى تحولات الموقف الرسمي وتبدلاته من عاصفة الحزم ضد الميليشيات الحوثية في اليمن، وهو الموقف الذي يستند على مغازلة كل الأطراف، فيغمز لطهران بعين، ويضع الأخرى على "الأرز"، فالمبدأ هنا هو: من يدعم انقلابي أقول له يا عمي.

وهكذا يحسبها أيضا بشار: من يحفظ لي سلطتي هو سيدي.

اقرأ المزيد
٢ أكتوبر ٢٠١٥
حين يصبح الأسد جزءا من صفقة

رغم الضجة الإعلامية التي أعقبت تصريحات مسؤولين غربيين عن إمكانية إشراك بشار الأسد في حكومة انتقالية والاحتفاء، منقطع النظير، الذي أولته وسائل إعلامية لمثل هذا التغير بالموقف الدولي من الأسد، وبطبيعة الحال فقد كان النظام وحلفاؤه أكثر المستبشرين خيرا بهذه النتيجة التي وصلوا إليها بعد قرابة خمس سنوات من القتل والتدمير والتشريد، إلا أن التفصيل الأهم، والذي يبدو أنهم غفلوا عنه أو تجاهلوه عن قصد، هو أن الأسد تحول من محور أساسي في قضيتهم، وخطا أحمر كانت رسمته القيادة الإيرانية مرارا وتكرارا، إلى جزء من الحل تتم مناقشته واقتراح الطرق المثالية لإنجازه.
ولعل الوجود الروسي الذي بات علنيا وغير مستتر على الأرض السورية لا يمثل، بأي حال من الأحوال، قتالا بالنيابة عن الأسد، وإن كان في ظاهره يبدو حفاظا عليه، إلا أنه هو الآخر مرتبط بمعطيات على الأرض لا يريد الروس الانجراف فيها، ولا التورط أكثر في تفاؤلهم بإمكانية إعادة تعويم الأسد وإن من الباب الواسع المفتوح على مصراعيه عالميا، أي باب محاربة الإرهاب وتنظيم داعش على وجه الخصوص، الذي يشكل بدوره الشغل الشاغل لإدارة باراك أوباما الفاشلة في اجتراح حلول مناسبة للمنطقة، والمحرجة أمام نجاح إزالة الحوثيين من اليمن، وهذا الأمر بالذات يجري بطريقة مدروسة ومنظمة، وقد بدأت ثماره تجنى عسكريا أولا وسياسيا ثانيا، في الوقت الذي عجز فيه التحالف الدولي عن تحقيق أي إصابة مباشرة، أو حتى التمكن من تدريب مقاتلين على الأرض لوقف تمدد تنظيم داعش.

وما دام الأسد قد أبدى بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال قبوله بالوصاية الروسية عليه أن يكون جزءا من الحل، لذلك فإن عليه أن يمتثل بالضرورة لما ستؤول إليه الأوضاع ولما يمكن الاتفاق عليه، سرا أو علانية، بين المتباحثين إن على هامش الجمعية العامة أو في أروقة دبلوماسية أخرى. وهو بطبيعة الحال لن يكون قادرا على الرفض ما دام بات تحت الوصاية، ولا يمكن أن يصدر أي قرار بعيدا عن أوصيائه الشرعيين، وباعتراف أممي، تمثل في تخصيص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساحة لا يستهان بها من خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للحديث في الشأن السوري، وتحديدا للدفاع عن بشار الأسد.

لكن بوتين بالمقابل يدرك أن الأسد لا يمتلك أي وسائل تدعم بقائه دون إسناد مباشر من قبل حلفائه، وما الحديث عن قدرة الجيش السوري سوى سياق عابر يدرك الجميع عدم واقعيته، فالجيش الذي تعرض لعشرات الهزائم المتلاحقة في مختلف المعارك التي خاضها، وآخرها معركة الزبداني، لا يمكن بأي حال التعويل عليه لمقاتلة تنظيم داعش الذي تفوق في مرات سابقة على قوات الأسد، وجعلها تندحر أمامه.

وإذا كانت روسيا مقتنعة حقا بضرورة الوصول إلى حل سياسي في سوريا، فإنها بالمقابل تدرك أن هذا الحل لا يمكن فرضه مع الإصرار على بقاء الأسد في السلطة، في ظل وجود ثورة شعبية ضده، تريد موسكو تجاهلها والإيهام بأنها غير موجودة، لكنها تعلم تماما أن هذا الكلام ليس صحيحا، وأن ثمة الملايين من السوريين الذين لن يقبلوا بقاءه، وأن قوى إقليمية كبرى لن تقبل بمثل هذا الاقتراح، وموسكو بطبيعة الحال حريصة على خطب ود تلك القوى في ضوء أزماتها الاقتصادية التي لن يخرجها منها وقوفها إلى جانب الأسد وهي لن تقدم شيئا دون مقابل.

إذن لا بد من صيغة مناسبة تجعل من الأسد جزءا من صفقة لاحقة قد يتم التحضير لها، وبالنتيجة حثّه على الانسحاب بهدوء ومغادرة السلطة، طالما أن الأمر ممكن قبل أن تتطور الأمور أكثر ويصير لزاما على روسيا التورط أكثر، وهذا ما يراجع الكرملين نفسه بشأنه مئات المرات قبل أن يقدم عليه، وهو يضع نصب عينيه ما حدث غير بعيد في أفغانستان.

اقرأ المزيد
٢ أكتوبر ٢٠١٥
بوتين يحشد لدعم الدولة العلوية؟

سوريا المدمرة التي تقطر دماً لم تعد مكاناً ملائماً لا للأوهام التي أشاعها خطاب فلاديمير بوتين في الامم المتحدة ولا للمعجزات التي سبق لوليد المعلم ان تحدث عنها عندما زار موسكو قبل أشهر، على الأقل لأننا امام أزمة دامية مستعرة منذ خمسة اعوام تقريباً تحطمت فيها حسابات ورهانات كثيرة.

بوتين على الخطى التي اعلنها أوباما منذ البداية فهو لن يقاتل على الارض، صحيح انه أرسل ألفي عسكري الى طرطوس واللاذقية وفق تقارير واشنطن، لكن هؤلاء يسهرون على المقاتلات وشبكات الصواريخ المضادة للطائرات، لكأن "داعش" يملك سلاحاً جوياً!

وهو ايضاً على خطى أوباما المعيبة والخبيثة في تعاميه عن المذابح وتردده في دعم المعارضة، ما وضع السوريين أمام خيار قاتل "إما الديكتاتورية وإما الإرهاب"، عندما يتحدث عن أمرين فيهما الكثير من الخبث والعيب، اولاً عندما يعلن ان ليس في سوريا معارضة بل هناك نظام الاسد والإرهاب الذي يقاتله، بما يعني انه يضع السوريين مباشرة أمام الخيار بين ديكتاتورية النظام وإرهاب "داعش"، وثانياً عندما يعتبر ان الاسد وحده يختزل في شخصه الدولة والشعب السوري!

والدليل ان العالم يدعو منذ ثلاثة أعوام الى حل سياسي على قاعدة تشكيل حكومة انتقالية تستبعد الاسد وتحافظ على ما تبقى من هياكل الدولة، بما يساعد على تزخيم الحرب ضد "داعش"، وليس سراً ان كيري سبق له ان كاشف لافروف بضرورة إيجاد مخرج آمن للأسد، لكن إصرار بوتين على بقائه يحبط الحل السياسي منذ بداية الازمة!

عندما عقد مؤتمر "جنيف -1" في حزيران 2012 كان عدد القتلى لا يتجاوز 50 الفاً، والآن هناك ما يقارب الـ 250 الفاً، وكان عدد اللاجئين لا يزيد على خمسمئة الف وهناك الآن اكثر من 11 مليوناً أي نصف الشعب السوري الذي يدأب بوتين على القول إنه وحده يقرر مصير الاسد، في حين ان الاسد وحده هو الذي يقرر المصير البائس للشعب السوري.

بوتين لن ينزل الى الارض لأنه لا يريد افغانستان سورية، ويعرف ان عديد جيش الاسد كان أكثر من نصف مليون ويقاتل بدعم من موسكو وبمشاركة ميدانية من ايران وأذرعها العسكرية، وكانت النتيجة ان الاسد اعترف بأنه يعاني نقصاً في عديد جيشه ويبرر انسحاباته الى المناطق العلوية، فهل يظن بوتين انه بشحن المزيد من الاسلحة يمكن ان يحسم المعركة؟

وإذا كان يعتبر ان المعركة تحتاج الى تحالف دولي لمواجهة الإرهابيين الذين يشبهون النازية فعلاً، ويعرف جيداً ان عقدة واحدة تعرقل قيام هذا التحالف هي تمسكه بالاسد، فهل نصدق انه يريد حلاً ام أنه يحشد في طرطوس لحماية الدولة العلوية ... مجرد سؤال!

اقرأ المزيد
٢ أكتوبر ٢٠١٥
هل يدفع بوتين ثمن تدخله في سورية؟

تدخل الحرب السورية مرحلة جديدة قد تكون حاسمة مع التدخل العسكري الروسي. فهذه الحرب التي طالت وقتلت 300 ألف شخص ودمرت مدن سورية وقراها وبناها التحتية، أصبحت الآن حرباً كونية بكل ما لهذه الكلمة من معنى. كل جنود العالم ومقاتليه وإرهابييه موجودون على أرض سورية، والآن صارت مقاتلات الدول الكبرى تتجول في أجوائها، وتقصف ما تختاره وما يناسبها من مواقع. ومهزلة المهازل ان الرئيس السوري لا يتعب من تكرار أن مصيره يجب أن يتقرر من قبل السوريين، فيما بلاده واقعة تحت هذه الحال من الاحتلال العالمي!

تحولت سورية الى «ساحة» للصراعات الدولية ولتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، نتيجة انهيار الدولة السورية ومؤسساتها، واستخفاف العالم بها. هكذا وجد فلاديمير بوتين أن «الساحة السورية» هي المكان الأفضل لتلقين اوباما درساً في الطريقة التي يجب ان تقاد بها دولة كبرى. ففي مقابل عجز أوباما وتلكوئه عن اتخاذ اي قرار في سورية او في سواها، حزم بوتين امره وقرر ارسال مقاتلاته لدعم الدفاعات المنهارة للنظام السوري، في خطوة اعتبر مصدر عسكري سوري انها ستحدث «تغييراً كبيراً» في مجريات الحرب، بينما ذكرت تقارير صحافية ان ايران ارسلت المئات من قواتها اضافة الى عناصر «حزب الله» لدعم قوات النظام في معاركه مع المعارضة.

لم يكلّف بوتين نفسه عناء ابلاغ أوباما بقرار التدخل في سورية رغم لقائهما في نيويورك. بل كلف احد جنرالاته (في بغداد) بإبلاغ زميله في السفارة الأميركية في العاصمة العراقية بالقرار قبل ساعة فقط من بدء العمليات الروسية في اجواء سورية. استخفاف واحتقار للقيادة الأميركية لا مثيل له منذ ازمة الصواريخ الروسية في كوبا، في زمن نيكيتا خروتشوف، التي كادت ان تؤدي بالعالم الى حرب كونية، بعد تهديد جون كينيدي، وإسراع الاتحاد السوفياتي الى سحبها في اللحظة الأخيرة.

حاول فلاديمير بوتين ان يضع تدخله في سورية في اطار الحرب على الإرهاب، ودعا العالم الى المشاركة في هذه الحرب، معتبراً ان روسيا تواجه خطر عودة الإرهابيين الى اراضيها، إذا لم تقم بعملية استباقية للقضاء عليهم في سورية. غير ان بوتين فضح اهدافه من التدخل في سورية عندما دعا الجميع، في خطابه امام الأمم المتحدة، الى دعم الرئيس السوري في قيادة الحرب على الإرهاب، فيما تعتبر معظم دول العالم، باستثناء موسكو وطهران وحلفائهما، أن بشار الأسد هو المسؤول الأول عن إطالة أمد الحرب في سورية وعن فتح ابوابها للإرهابيين من كل مكان، اضافة الى ان الجرائم التي ارتكبتها قواته والميليشيات الداعمة له لا تقل وحشية عن جرائم التنظيمات الإرهابية.

إضافة إلى ذلك، يعتمد بوتين في تصنيفه للإرهاب والإرهابيين، القاموس نفسه الذي يلجأ اليه بشار الأسد. فكل المعارضين في سورية هم في نظره إرهابيون، باستثناء أولئك المعارضين الذين يعيّنهم النظام السوري لهذه المهمة وتستقبلهم موسكو من وقت الى آخر في مهمات «الوساطة» التي تقوم بها. لهذا لم يكن مستغرباً ان لا تميّز المقاتلات الروسية في غاراتها بين مقاتلي «الجيش الحر» ومقاتلي «داعش»، لأن الجميع في نظرها سواء.

ما يقوم به بوتين في سورية اليوم قام بمثله زعيم آخر من عصر الاتحاد السوفياتي اسمه ليونيد بريجنيف. دفع بريجنيف قواته ودباباته إلى أفغانستان لإنقاذ نظام بابراك كارمال ومحاربة الإرهابيين قبل أن يصلوا إلى بلاده. وما أنجبه ذلك التدخل أصبح جزءاً من تاريخ الاتحاد السوفياتي إذ إنه ساهم في انهياره.

تدخّل بوتين في سورية محفوف أيضاً بالأخطار على بلد يواجه أزمة اقتصادية صعبة ومعارضة للتدخلات الخارجية وتحاصره عقوبات غربية قاسية. لو كان هناك رونالد ريغان في البيت الأبيض لأمكن القول إن موسكو ستدفع ثمن تدخلها في سورية كما حصل معها في أفغانستان. لكن تجربة التدخّل الروسي في أوكرانيا التي انتهت بصمت غربي يشبه الهزيمة يمكن أن تتكرّر في سورية ... في عصر العجز الأميركي.

اقرأ المزيد
١ أكتوبر ٢٠١٥
معارضة موسكو ... صمتت دهراً ونطقت كفراً

لم يعد التواجد الروسي على الأرض السورية خافياً على أحد وإن لم تظهر نتائجه بشكل كبير حتى الآن، وهذا ما أشارت إليه عدة تقارير صادرة عن جهات مرموقة من بينها الكونغرس الأميركي الذي يبدو أنه إما مطمئن للتحركات أو غير آبه بها أو قد نال نصيبه من الكعكة.

كان أحد شعارات الثورة السورية أن روسيا شريكة الأسد في قتل السوريين وندد الثوار بالدعم الروسي للنظام كون روسيا من أكبر داعميه بالسلاح والذخيرة، لكن المثير للجدل، وبرأي آخرين أنه ليس مستغرباً، هو صمت معارضة الداخل التي كانت ترى في الكرملين حلاً للمأزق السوري، فقد لبى أعضاؤها عدة دعوات لزيارته متوهمين أن من استخدم الفيتو في مجلس الأمن (فيما يخص فتح ممرات إنسانية للمحاصرين في حمص وغيرها) يسعى حقيقة لإنهاء أزمة السوريين، نعم إنها معارضة داخلية وبامتياز كيف لا وهي تعارض من حضن النظام.

لقد ظلت صامتة على مدى أربع سنوات والروس يرسلون شحنات الأسلحة الواحدة تلو الأخرى لمساندة النظام الذي قتل من السوريين مئات الآلاف ودمر مدناً بأكملها وهجّر أهلها حتى تطور الحال بهم إلى إرسال خبراء عسكريين، وهذا باعتراف النظام والروس على حد سواء لمساعدة القوات السورية في استخدام الأسلحة الروسية الجديدة والمتطورة.

وفي الآونة الأخيرة عمد الروس إلى إرسال مدرعات وجنود إلى الساحل السوري خاصة بعد الخسائر التي مني النظام بها في إدلب وسهل الغاب بريف حماه.

وفي شهادات لمواطنين يقيمون في الساحل السوري يشيرون إلى وجود تحركات غريبة في الموانئ البحرية ليلاً، وأن النظام قد منع المدنيين من الاقتراب من بعض النقاط عدة مرات.

ثم اعترفت وسائل الإعلام الروسية بمقتل أول جندي لها على الأراضي السورية وهو باران البالغ من العمر 22 عاماً في الدفاع عن الأمن القومي الروسي على حد تعبيرها.

إلى أن رصدت الأقمار الاصطناعية الأميركية أماكن تمركز لمدرعات في الساحل السوري بالإضافة إلى تحركات مشابهة في أحد المطارات الساحلية السورية.

كما أعلن الناطق الرسمي باسم جيش الإسلام إسلام علوش عن استهداف مطار حميميم بعدة صواريخ غراد بعد ورود أنباء عن تواجد قوات روسية في المطار، ومن الممكن أن تكون إحدى الدول الحليفة لجيش الإسلام قد زودته بتلك المعلومات خاصة وأن له علاقات قوية مع عدة دول عربية.

وفي تصريحات لمسؤول عسكري من النظام لوكالة رويترز أقرَّ بوصول أسلحة روسية متطورة وأن النظام قد بدأ باستخدامها نافياً أي وجود للقوات الروسية في سورية.

ويعتبر مراقبون أن كل ما يتناقله الإعلام عن مشاركة جنود روس هو لرفع معنويات قوات النظام المنهارة خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي تلقتها مؤخراً، فيما يقول آخرون إنها حرب باردة يشرف عليها الروس لفرض وجودهم كقوة مهيمنة مقابل الولايات المتحدة في ظل قرب اجتماعات يحضر لها وستعقد قريباً بين الروس والدول الخمسة الكبرى.

كل هذا وذاك ولازالت المعارضة الداخلية غير مستاءة لما يجري فقد اعتبرت الوجود الروسي هو لمحاربة الإرهاب كما أشار إلى ذلك وزير الخارجية السورية وليد المعلم بقوله إن روسيا تطمح إلى محاربة الإرهاب في سورية ولكنها إلى الآن ليست موجودة على الأرض وقد نطلب منها ذلك إن اقتضى الأمر وهو ما أشار إليه مسؤولون روس بقولهم إن روسيا مستعدة للتدخل إذا ما طلبت الحكومة السورية منها ذلك.

ثم يخرج إلينا رئيس هيئة التنسيق الوطنية حسن عبد العظيم مرحباً بالوجود الروسي على الأرض السورية واعتبر أن ما يقوم به الروس هو للتنسيق مع التحالف الدولي للقضاء على الإرهاب في سورية مشيراً إلى أن الولايات المتحدة التي تقود التحالف قد نجحت في حل الملف النووي الإيراني وبالتالي فإنها قادرة على حل الأزمة السورية، متعامياً عن كل ما تم ذكره من مساهمة الروس في قتل الشعب السوري بدءاً بمرحلة الدعم اللوجستي إلى التدخل المباشر.

لم يتفاجأ السوريون بهذه الصفاقة السياسية فلطالما اعتادوا عليها من هذه الشخصيات التي اختلقها النظام لإفساد ثورة الشعب حينما فشل في قهرها بقوة السلاح.

لأن هذه المعارضة ومن أبرزها هيئة التنسيق الوطنية لا تطالب صراحة بإسقاط نظام بشار الأسد بل تدعو للحوار معه للتوصل إلى مستقبل أفضل لسورية، ولا تقبل الهيئة بحمل السلاح في وجه آلة القتل الأسدية بل من أهم مبادئها كما تدعي: السلمية (أي سلمية وقد قتل من يعارضون من حضنه العباد ودمر البلاد)، كما أنها لم تقبل الانخراط في جسم المعارضة الأول الذي تمثل بالمجلس الوطني متذرعةً بأن أحداً لم يدعها للانضمام وهذا ما نفاه رئيس المجلس الوطني السابق برهان غليون.

ومروراً برندة قسيس رئيسة حركة المجتمع التعددي السورية التي لم تكن ترى في الروس عدواً أساساً بل وصفتهم بأنهم يريدون المحافظة على كيان الدولة والجيش بغض النظر عن بقاء الأشخاص وهذا ما تكذبه وقائع متعددة أظهرت تمسك الروس بالأسد وكما تدعو قسيس إلى الفدرالية في سورية لنظرتها القاصرة للمكون السني وأنه لا يمكن التعايش معه.

وبعد الضربات التي نفذها الطيران الروسي في ريفي حمص وحماة وما تسبب به من قتل عشرات المدنيين لا يبقى شك أن كل من رحب بهذا التدخل وكل من حاور الروس وهادنهم أو أبدى لهم الود والرضى هو شريك بالقتل ومن حق الشعب أن يستبعده ولا يقيم له وزناً.

فيا ليت معارضة الداخل أو معارضة الفودكا كما يحب بعضهم أن يطلق عليها بقيت صامتة حيال التدخل الروسي ولم ينطبق عليها المثل القائل: صمت دهراً ونطق كفراً.

اقرأ المزيد
١ أكتوبر ٢٠١٥
بين الحرب "المقدسة" و الجهاد "الإرهابي" .. تولد ألف داعش ويتجه الآلاف بإتجاهها

يضفي الكاهن على الطائرات الروسية مسحة "القداسة" ، ويحول الإسم من العدوان على الشعب السوري إلى حرب مقدسة بمشاركة أكبر القدادسة القتلة "بوتين" ، حربٌ موجهة ضد مجموعة من "الإرهابيي"ن الذين يخوضون جهاداً بآوامر ربانية ، و لكنهم "إرهابيين" في نظر الأرباب الأرضية .

يبدو أن لا مناص أمام الثوار في سوريا سوى الانصياع والإقرار بأنهم جميعا عبارة عن "متطرفين"، لا مجال أمامهم إلا أن يكونوا هدفاً مشروعاً لكل من هب و دب ، و "الممسحة" التي تستخدم لتنظيف قذارة أؤلائك الفاتكين بالأجساد و الحياة.

و تثبيت الفرق بين الحرب "المقدسة" و "الجهاد الإرهابي" ، يحول الأمور إلى منحى في غالية في الخطورة ، ولن يعد هناك داعش واحدة سيحاربها العالم ، بل سيكون هناك عشرات المنظمات التي تشابهها و التي ستكون داعش أمامها حمل وديع ، وشيء جداً مقبول و محبب .

وهاهو الخيار يعود من جديد بعد أن مررنا به منذ فترة وهو أن نكون مخيرين بين"الخلافة" أو "الأسد" ، خيار بين الحقد و القتل الأعمى و الظلامية بينهما ، و في الغالب نجد أنفسنا بشكل لا شعوري نلجأ إلى الخيار الأبعد و الأقل قتلاً ألا وهو "داعش"

و نفس الأمر يتكرر حينما نوضع في ظروف لنختار بين "الخلافة" و المليشيات الشيعية المتنوعة ، فتجدنا كذلك نختار خير الشريرن أو اهونهما أو على الاقل أبعدهما شراً في الوقت الراهن .

ومن جديد الزخم الروسي الجديد يجعل من عملية الإختيار تتحول إلى يقين ان الجميع يدفعك صوب "داعش" ، و القبول بأن تكون أحد رعيتها ، حفاظاً على حياتك بشكل مؤقت .

فالتطرف لا يواجه إلا بالتطرف ، و التعصب يحتاج لتعصب أشد ، و التشدد لابد من تشدد يواجه ، فالأسد هو وجه للتطرف و إيران للتشدد و روسيا عنوان القتل ، أما "داعش" فهي الوجه الكامل للأطراف الثلاثة ، و لا يمكن أن نواجههم جميعاً إلا باللجوء إليها .

ليس دعوة لـ"الخلافة" و إنما استهزاء من العالم الذي يخطط و ينفذ مخططاته بدقة على حساب وجودنا و حياتنا و يدفعنا لمزيد من التشرد و الضياع ، و كل ما مطلوب منا ، إما أن نتحول لبيدق بيده أو نكون أعداء له .

اقرأ المزيد
١ أكتوبر ٢٠١٥
قرار الشعب السوري وروسيا


تذكّرنا روسيا بأن القرار يعود للشعب السوري، فهو وحده من يحدد بقاء بشار الأسد أو يرفضه. تقول ذلك، وهي تنزل قواتها لكي تمنع سقوط النظام، في مشهد هزلي، يشير إلى الجهل في معنى الشعب، وفي ما جرى في سورية، ولماذا بات النظام على حافة السقوط.
ترسل روسيا قواتها لمنع سقوط بشار الأسد، وتقول إن الشعب هو الذي يحدد مصيره. طبعاً، من يهدد النظام ويهدد بسقوطه ليس "داعش" التي لم تتقدم نحو دمشق، أو نحو الساحل السوري، بل ظلت تقاتل الكتائب التي تخوض صراعاً ضد النظام نفسه، وتفرض ارتباكاً في كلية الصراع ضده، بالتأكيد لمصلحة النظام الذي يتواصل معها، ولا يقاتلها، بعكس ما يصرّح به فلاديمير بوتين. وبالتالي، مَن يهدد النظام بالسقوط قوى "سورية"، بعضها مدعوم من دول إقليمية (تركيا وقطر والسعودية)، وكثير منها من قوى الثورة التي تحوّلت إلى العمل المسلح.
هل نثبت أن الشعب قرَّر، منذ السنة الأولى، أنه يريد "إسقاط النظام". ولهذا، قدَّم آلاف الشهداء قبل الانتقال إلى العمل المسلح الذي كان ردَّ فعل على عنف النظام ووحشيته، وعلى إصراره على تحويل الثورة إلى صراع مسلح. هل نعيد الذاكرة إلى مسار الثورة، منذ أول مظاهرة صغيرة وسريعة في سوق الحميدية تطالب بالحرية، لكي نوضّح هذه الحقيقة؟ ربما قادت تلك التظاهرة إلى اعتقال بعض الشباب، لكن اعتصام الجامع العمري في درعا قاد إلى تظاهرات واسعة، لم تشمل درعا المدينة فقط بل كل حوران، وكانت الحالة الأولى التي يظهر فيها أن في سورية ثورة. جلب عنف رد السلطة هناك خروج تظاهرات "صغيرة" في دوما واللاذقية وبانياس، سرعان ما تحوّلت إلى تظاهرات كبيرة، حيث خرج آلاف الشباب يدعم درعا، بعد أن ووجهت بالرصاص كذلك.
سرعان ما توسّع الأمر إلى تظاهرات كبيرة في حمص، سحقت بعنف دموي، من دون أن توقف التظاهر. وامتد الأمر إلى حماة التي خرجت منها ربما أضخم تظاهرة، ترافقت معها تظاهرة ضخمة في دير الزور. ووصل الأمر إلى محيط دمشق الذي شهد تظاهرات كبيرة، وصولاً إلى حلب التي تحركت بعد عام من الحراك في تظاهرة كبيرة. وشمل الحراك مناطق كثيرة، من قرى وأحياء في مختلف أرجاء سورية.
كانت هذه الصورة توضّح أن الأمر لا يتعلق بحراكٍ صغير، بل بثورة شعب يريد إسقاط النظام، على الرغم من كل العنف الذي مورس ضده، والوحشية التي قوبل بها الحراك، الذي شمل معظم مناطق سورية، ولم ينحصر في منطقة منعزلة، ليتضّح أن مطلب إسقاط النظام كان عامّاً. هذا هو أساس الثورة، وأساس مطالب الشعب الذي يشير إلى أن الشعب يريد إسقاط النظام، وليس قبول استمراره.
وحين جرى الانتقال إلى السلاح، وصلنا إلى وضع لم تعد السلطة فيه تسيطر سوى على أقل من ثلث سورية، فقد ضعفت، ليس بفعل "خارجي"، كما يريد الروس أن يقولوا، بل بفعل الشعب نفسه، وكان الفعل الخارجي معاكساً لمطالب الشعب، أو يعمل على تخريب ثورته. فالنصرة وداعش وجيش الإسلام قوى أصولية دعم النظام وجودها، ولم تكن من الثورة، بالضبط، لكي تخرّب على الثورة. ودعمت دول إقليمية هذا الأمر بتفاهم مع النظام.
بالتالي، حين يشير الروس إلى الشعب، نقول إن الشعب قرَّر، منذ السنة الأولى للثورة، أنه يريد إسقاط النظام، ومن يُرِد الإشارة إلى الشعب، عليه أن يعرف أن عليه أن يفهم أن الشعب يريد إسقاط النظام. ولقد وصل الأمر إلى أن يصبح النظام على شفير الانهيار، نتيجة ذلك كله، من ثم على من يخاف من سيطرة داعش أو النصرة أن ينطلق من حتمية إزاحة بشار الأسد ومجموعته، لكي يضمن المقدرة إلى إنهاء هذه القوى الأصولية، فما يعزز من قوتها إما دعم النظام وتسهيله لها أو استغلال رفض الشعب بقاء النظام. وفي الحالين، لا إمكانية لمواجهتهما حقيقة إلا بإبعاد رأس النظام.

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >
● مقالات رأي
٢٠ يناير ٢٠٢٦
"واشنطن" تعلن رسمياً نهاية مشروع قسد: فصل الختام في تجربة فرض الذات بقوة السلاح
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٩ يناير ٢٠٢٦
الأنفاق التي شيّدتها "قسد".. أرض محصّنة وشعب ناقم أطاح بالمشروع
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٩ يناير ٢٠٢٦
نهاية مشروع "قسد".. رسالة قوية للهجري في السويداء: فهل يُسلّم ويسلّم..؟
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٨ يناير ٢٠٢٦
اتفاق دمشق – قسد... نهاية المشروع الانفصالي وتعزيز لسلطة الدولة السورية
أحمد نور الرسلان مدير التحرير في شبكة شام الإخبارية
● مقالات رأي
١٨ يناير ٢٠٢٦
خسارة الرقة .. ضربة استراتيجية تهز مشروع "قسد" شرق الفرات
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٧ يناير ٢٠٢٦
ما بعد غرب الفرات… هل تلتقط "قسد" الفرصة الأخيرة قبل السقوط..؟
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٧ يناير ٢٠٢٦
"إعادة التموضع" من نهج "الأسد" إلى قواميس "قسد": هزائم بلغة جديدة
أحمد نور الرسلان مدير التحرير في شبكة شام الإخبارية