هيومن رايتس ووتش : تجدّد الأمل في العدالة والمساءلة وسط مطالب بإصلاح الأمن وحماية الحقوق
قالت هيومن رايتس ووتش إن الحكومة السورية اتخذت خلال عام 2025 خطوات أولية لتعزيز مسارات العدالة والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها الحكومة السابقة، معتبرة أن هذه الخطوات فتحت بابًا جديدًا للأمل في معالجة إرث ثقيل من الانتهاكات، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن غياب الشفافية والمساءلة الشاملة ما زال يقيّد هذا المسار ويهدد بتحويله إلى مسار انتقائي.
خطوات أولية ومسار غير مكتمل
أفاد التقرير بأن السلطات السورية أنشأت هيئات حكومية جديدة معنية بالعدالة الانتقالية وبالكشف عن مصير آلاف المفقودين في البلاد، في إطار تعهدات رسمية بفتح ملفات الماضي، إلا أن المنظمة الحقوقية أوضحت أن هذه الخطوات لم تترافق مع شفافية كافية، ولا سيما فيما يتعلق بدور كبار المسؤولين والقادة في أعمال العنف والقتل على أساس الهوية التي ارتكبتها القوات الحكومية خلال مارس/آذار ويوليو/تموز 2025، حيث اكتفت السلطات بإجراءات محدودة دون توضيح آليات المساءلة على مستوى القيادة.
دعوات إلى مساءلة شاملة وغير انتقائية
ونقل التقرير عن آدم كوغل، نائب مديرة الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، قوله إن السلطات السورية الجديدة جعلت العدالة والمساءلة أولوية معلنة، غير أن هذه الجهود لا يمكن أن تكون أحادية الجانب أو انتقائية، مؤكّدًا أن الانتقال إلى حقبة جديدة تحترم الحقوق يتطلب ضمان المساءلة الشاملة عن الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف قبل ديسمبر/كانون الأول 2024 وبعده، وعدم الاكتفاء بمراجعة الجرائم الفردية، بل توسيع نطاق التدقيق ليشمل المسؤولية المؤسسية ودور القيادات.
سياق دولي وضغوط على منظومة الحقوق
جاء ذلك ضمن “التقرير العالمي 2026” الصادر في 529 صفحة، في نسخته السادسة والثلاثين، والذي استعرضت فيه هيومن رايتس ووتش أوضاع حقوق الإنسان في أكثر من مئة دولة، حيث حذّر المدير التنفيذي للمنظمة فيليب بولوبيون، في المقالة الافتتاحية، من أن كسر موجة الاستبداد المتصاعدة عالميًا يمثل تحدي العصر، لافتًا إلى أن منظومة حقوق الإنسان تواجه تهديدًا غير مسبوق في ظل سياسات إدارة ترامب وقوى عالمية أخرى، وداعيًا الديمقراطيات والمجتمع المدني إلى بناء تحالف استراتيجي للدفاع عن الحريات الأساسية.
القضاء والعدالة الانتقالية بين النص والتطبيق
وأشار التقرير إلى أن إعلانًا دستوريًا صدر في مارس/آذار أكد استقلال القضاء، إلا أن الحكومة ما زالت مطالَبة بتوفير الأطر القانونية والمؤسسية اللازمة لمقاضاة الجرائم الدولية الخطيرة ومعالجة مسألة مسؤولية القيادة. ورغم عقد السلطات الحكومية لقاءات مع منظمات المجتمع المدني وإدراج خبراء في مجال العدالة ضمن اللجان الوطنية المكلفة بملف المساءلة، شددت المنظمة على ضرورة توضيح كيفية إشراك الضحايا وأصحاب المصلحة بصورة هادفة في صياغة عمليات المساءلة والمشاركة الفعلية فيها.
أحداث العنف القائم على الهوية
وسلّط التقرير الضوء على أن نشر القوات الحكومية خلال عام 2025 ردًا على هجمات وأعمال عنف مسلح في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة خلال مارس/آذار، وفي محافظة السويداء خلال يوليو/تموز، أسفر عن موجة من العنف القائم على الهوية في تلك المناطق. وأوضحت المنظمة أن السلطات السورية أجرت تحقيقات موثوقة في هذه الحوادث، لكنها لم تقدم معلومات كافية حول دور كبار القادة العسكريين أو المدنيين، ولا حول الكيفية التي ستُحاسَب بها الشخصيات التي تتمتع بسلطة قيادية.
العقوبات والواقع المعيشي
وفي السياق الاقتصادي، أشار التقرير إلى أن رفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للعقوبات المفروضة على سوريا خلال 2025 شكّل خطوة حاسمة لتحسين وصول السوريين إلى حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية الأساسية والمساهمة في إعادة بناء البلاد، إلا أن الواقع المعيشي ما زال بالغ القسوة، إذ يعيش أكثر من تسعين بالمئة من السكان تحت خط الفقر، بينما يعاني أكثر من نصفهم من انعدام الأمن الغذائي والحاجة إلى المساعدات الإنسانية.
مطالب بإصلاحات قانونية وأمنية
وأكدت هيومن رايتس ووتش أن على القيادة السورية الجديدة حماية الحقوق الأساسية لجميع السوريين ضمن التشريعات والمؤسسات الحكومية الناشئة، وضمان خضوع جميع جهود العدالة لمعايير حقوق الإنسان، إلى جانب التصديق على الصكوك والمعاهدات الدولية ذات الصلة وتنفيذها.
ودعت المنظمة السلطات إلى الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وتقديم إعلان يمنح المحكمة الولاية القضائية على الجرائم السابقة، وتعزيز التعاون مع آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك آليات الأمم المتحدة، والسماح لها بالوصول الميداني، مع تنفيذ إصلاحات أمنية تستبعد المقاتلين المتورطين في انتهاكات من القوات الأمنية، وفرض هياكل قيادة واضحة ومدونات سلوك ملزمة.