استراتيجية زراعية 2026–2030 لتعزيز الأمن الغذائي واستدامة الموارد
أعلنت وزارة الزراعة انتهاءها من إعداد استراتيجيتها للمرحلة 2026 – 2030، في خطوة تستهدف إحداث نقلة نوعية في القطاع الزراعي بما يتلاءم مع الواقع الاقتصادي والبيئي والمؤسسي الراهن، مع تركيز واضح على تعزيز الأمن الغذائي، وضمان استدامة الموارد الطبيعية، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، واعتماد التكنولوجيا الحديثة والزراعة الذكية.
وجرى الإعلان عن الاستراتيجية بحضور وزراء ومسؤولين حكوميين، إلى جانب ممثلين عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والحكومة البريطانية، حيث أكدت الوزارة أن الخطة الجديدة تقوم على درجة عالية من المرونة، تتيح مراجعة البرامج وتعديلها تبعاً للمتغيرات السياسية والاقتصادية والبيئية خلال المرحلة الانتقالية، بما يشكّل بداية مسار تعافٍ جديد للقطاع بعد سنوات طويلة من التحديات.
وتمتد الاستراتيجية بين عامي 2026 و2030، مع إمكانية تحديثها وفق المستجدات الداخلية والخارجية وتتمحور أولوياتها حول تحقيق الأمن الغذائي الوطني، وضمان الاستدامة في إدارة الموارد الطبيعية ولا سيما المياه، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة في الإنتاج الزراعي والتصنيع والتسويق.
وتستند الرؤية العامة إلى بناء قطاع زراعي مستدام يسهم في تحسين سبل عيش السكان في الريف، ويعزز الأمنين الغذائي والمائي، ويدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. كما تتضمن الاستراتيجية إعادة هيكلة الوزارة لرفع كفاءة الأداء المؤسساتي، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمزارعين، وتعزيز التكامل بين القطاعات الزراعية والبيئية، بما يدعم جهود إعادة الإعمار ويخفف الأعباء عن الدولة.
وتضمنت الوثيقة تحليلاً شاملاً للواقع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني خلال العقود الماضية، مع تقييم للخسائر التي تكبدها القطاع خلال سنوات الثورة، وتحديد نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات وفق منهجية تحليل SWOT.
ويهدف هذا التقييم إلى إحداث تغيير منهجي يعالج الاختلالات القائمة، ويؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الزراعة المستدامة وترشيد الموارد، ولا سيما المائية منها، بالتعاون مع الشركاء التنفيذيين.
وأوضح مدير المركز الوطني للسياسات الزراعية المهندس رائد حمزة أن التوجهات الجديدة تركز على التوسع في المحاصيل ذات القيمة المضافة العالية، مثل الطبية والعطرية، مقابل إعادة النظر في بعض المحاصيل الصناعية الأقل جدوى كالشوندر السكري والقطن، بما يحقق إعادة توزيع أكثر كفاءة للموارد من مياه وأراضٍ ومستلزمات إنتاج، والانتقال نحو محاصيل أكثر مرونة وأقل استنزافاً.
وتشير البيانات إلى تراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي من 23 بالمئة عام 2005 إلى 13 بالمئة عام 2022، إضافة إلى انخفاض المساحات المزروعة بالقمح والشعير بين عامي 2010 و2024، وتراجع معدلات النمو الزراعي من نسب بلغت 8 بالمئة في فترات سابقة إلى مستويات متدنية خلال العقدين الأخيرين، وهو ما يعكس الحاجة الملحة لإعادة هيكلة شاملة.
وتعتمد الاستراتيجية على "نظرية التغيير" بوصفها إطاراً يربط بين التدخلات التنفيذية والأهداف العليا، بما يضمن تطوير سلاسل قيمة مستدامة، وتبني التقنيات المبتكرة، وتحسين الخدمات الزراعية كما تركز على تهيئة بيئة قانونية وتنظيمية جاذبة للاستثمار، وضمان توفر مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب من بذار وأسمدة ومحروقات، والتوسع في تقنيات الري الحديث والمكننة الزراعية، وتعزيز الإرشاد الزراعي، وتحسين عمليات التسويق والصناعات التحويلية، إلى جانب مواجهة التحديات المناخية المتزايدة.
وترتكز الخطة على ستة محاور رئيسية، يتقدمها محور التنمية الريفية بوصفه ركيزة لتنويع مصادر الدخل، والحد من الهجرة الداخلية، وخلق فرص عمل تضمن مستوى معيشياً كريماً في المجتمعات الريفية. كما يتضمن تطوير الإنتاج النباتي عبر تحسين البذار واعتماد أصناف عالية الغلة ومقاومة للجفاف والأمراض، وتوسيع المساحات المستثمرة، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي.
وفي جانب الإنتاج الحيواني، تستهدف الاستراتيجية رفع أعداد القطيع وتحسين إنتاجيته، وتأمين الأعلاف ورفع جودتها، وتطوير مخابر الأعلاف لضمان مطابقتها للمعايير، إلى جانب دعم صناعة الأدوية البيطرية وتطويرها.
أما في ملف الموارد الطبيعية، فتولي الخطة أولوية للاستخدام المستدام للمياه والأراضي، عبر التوسع في شبكات الري الحديث، وحصاد مياه الأمطار، وتأهيل الغابات المتدهورة، واستعادة الغطاء النباتي في البادية، في مواجهة آثار التغير المناخي والرعي والقطع الجائر.
وتشمل الاستراتيجية دعم برامج التعاونيات الزراعية وقرى الإنتاج التصديرية، والتحول الرقمي في القطاع الزراعي، وإنعاش زراعة القمح، وتأهيل مخابر الصحة الحيوانية ومراكز التلقيح الاصطناعي في الغزلانية، إضافة إلى تطوير إنتاج اللقاحات البيطرية.
كما تعوّل الوزارة على تطبيقات الزراعة الذكية، وفي مقدمتها مشروع منظومة الإنذار المبكر للطقس والمناخ، لتمكين المزارعين من التكيف مع المتغيرات المفاجئة، وتعميم نماذج الزراعة الذكية في غوطة دمشق ومناطق مختارة لتعزيز تسويق المنتجات.
هذا وتسعى وزارة الزراعة بهذه الرؤية، إلى إرساء أسس قطاع أكثر كفاءة واستدامة خلال السنوات الخمس المقبلة، قادر على استعادة دوره في دعم الأمن الغذائي وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق توازن بين متطلبات الإنتاج وحماية الموارد.