تحقيق “المتحري” يكشف بالأدلة: فلول الأسد بين تصفية لونا الشبل وملف أوستن والأسلحة الكيميائية
في واحدة من أوسع وأعمق عمليات الاختراق التي طالت دوائر نظام الأسد البائد، كشف برنامج “المتحري” عبر قناة "الجزيرة" عن تسريبات خطيرة موثقة بالصوت والصورة، طالت فلول نظام الأسد البائد، وفضحت شبكاتهم الممتدة، وتحركاتهم السرية، وتمويلاتهم وتحالفاتهم، وحتى تصفيات داخلية طالت شخصيات بارزة كانت حتى وقت قريب في صلب النظام، وعلى رأسهم لونا الشبل.
اختراق بنية النظام من الداخل
عرض التحقيق، الذي حمل عنوان “تسريبات فلول الأسد.. الاختراق الكبير”، وثائق وتسجيلات وصوراً مسرّبة تم جمعها من هواتف مخترقة، كشفت عن شبكة معقّدة من ضباط ومسؤولين سابقين في النظام المنهار، عملوا في الظل بعد سقوطه لإعادة تشكيل بنيتهم السياسية والعسكرية والمالية، أملاً في العودة إلى المشهد من جديد.
أوضح التحقيق أن هذه الشبكة اعتمدت على أدوات كلاسيكية كالتمويل والسلاح، ولكن أيضاً على التحالفات الخارجية، خصوصاً مع روسيا وإيران، وعلى التحريض الطائفي والإعلامي، لبثّ الفوضى وإعادة إنتاج سلطتهم المنهارة.
أصواتهم تكشفهم
أكد التحقيق أن التحليل لم يستند فقط إلى تقديرات أو قراءات سياسية، بل اعتمد على آلاف الساعات من التسجيلات الهاتفية المباشرة، وصور ومستندات خرجت من قلب الهواتف الشخصية لفلول الأسد، لتقدّم صورة نادرة عن ما يدور في الغرف المغلقة.
"موسى".. من مرافقة الأسد إلى اختراق فلوله
أحد أبرز الشهادات جاءت من شخص عرّف نفسه باسم موسى، وقال إنه كان مرافقاً شخصياً لبشار الأسد بين عامي 2008 و2012. بعد سقوط النظام، عاد إلى الساحة من زاوية مختلفة، فأنشأ خلايا تجسس إلكترونية، واخترق هواتف ضباط ومسؤولين كبار في النظام، مستعملاً في بعض الأحيان غطاء "روسي" أو "إسرائيلي" لتضليلهم.
أشار موسى إلى أنه استخدم اسماً حركياً هو “عاكف”، وعمل بتنسيق مباشر مع أطراف حكومية حالية، موضحاً أن هدفه كان رسم خريطة واضحة لحركة فلول النظام وأدوارهم وتحالفاتهم.
اختراقات تقنية ولقاءات مباشرة
لم يقتصر الأمر على الاختراق الإلكتروني، بل تجاوز ذلك إلى لقاءات وجهاً لوجه مع شخصيات مرتبطة بالنظام، سواء داخل سوريا أو خارجها، إلى جانب اتصالات فيديو واجتماعات افتراضية، واستخدام أدوات "الهندسة الاجتماعية" والاستدراج لجمع معلومات دقيقة.
إحدى أولى خطواته كانت إنشاء موقع إلكتروني مزيّف يحمل علم روسيا، لإقناع الضباط بإمكانية التنسيق مع موسكو، كما تم اختراق حساب مترجم في قاعدة حميميم الروسية على "تلغرام"، ما فتح الباب للوصول إلى دوائر أعمق داخل بنية الفلول.
مفقودون وغموض مصيرهم
من أبرز ما دفع موسى لتنفيذ العملية، ملاحظته لوجود آلاف العناصر الذين أجروا "تسويات شكلية"، واختفاء قادة بارزين مثل كمال الحسن، وعلي مملوك، وسهيل الحسن، دون أي تفسير رسمي لمصيرهم.
عمر رحمون.. حلقة الوصل
أظهرت التسجيلات أن عمر رحمون، أحد الوجوه الإعلامية المرتبطة بالنظام، كان على تواصل شبه يومي مع سهيل الحسن ورامي مخلوف، بل وأقرّ بزيارة الأخير في موسكو، مؤكداً أن مخلوف يمتلك تمويلاً وشبكات نفوذ فاعلة.
مرحلة الساحل.. إعادة التمركز والتحريض
رصد موسى، قبيل اندلاع أحداث الساحل، اتصالات بين ضباط فارين وعناصر مجنّدة لإعادة بناء شبكات مسلحة، وتحريض على مهاجمة مواقع حكومية. وبتقنية هرمية، بدأ موسى من العناصر الصغرى ليصل إلى كبار القادة.
كشفت التسريبات معلومات خطيرة عن قاعدة حميميم، وأظهرت أن غياث دلا أعلن نفسه قائداً لـ"المجلس العسكري"، وبدأ بإعادة تجميع مجموعات من الفرقة الرابعة، مع بيانات صادرة عن شخصيات مثل مقداد فتيحة ومحمد جابر.
تمويل خفي وهيكلية قتالية وهمية
بفضل أرقام استُخرجت من هواتف دلا وسهيل الحسن، وصل موسى إلى المحاسب المالي الخاص برامي مخلوف، وحصل على ملفات تحتوي على كشوفات رواتب، وهيكلية كاملة لمجموعات مسلحة في الساحل. وتبيّن أن الأرقام المتداولة عن "مئات آلاف المقاتلين" مجرد مبالغات لا تستند إلى واقع.
خُصّصت هذه الملفات لعرضها على شخصية تُعرف في المحادثات باسم “السيدة”، في إشارة غامضة إلى جهة مجهولة يُرجّح أنها نافذة.
"الموساد" كذريعة
ولتمرير العملية، تذرّع موسى بأن "الموساد" الإسرائيلي يسعى إلى تنقية صفوف الضباط الموالين، وأن هناك رغبة بربطهم بمستشارين عسكريين عبر "زووم". وبالفعل، كلّف غياث دلا قادة مجموعاته بالتعاون معه، مستخدمين كلمة سر تنتهي بالرد "قوات الفجر".
وضاح وفتيحة.. تحالفات سريّة وتحركات ميدانية
من أبرز الأسماء التي ظهرت في التحقيق وضاح، نقيب سابق قال في تسجيل إنه تلقى دعماً من إيران و"الحشد الشعبي"، وشكّل فوجاً من 2500 عنصر بطلب من سهيل الحسن. وتبيّن أن وضاح كان يحمل هوية صادرة عن الروس، وكان موظفاً في قاعدة حميميم.
وبالاختراق ذاته، حصل موسى على مقاطع فيديو تجمع وضاح مع مقداد فتيحة، الذي ظهر متوعداً خصومه. وأكد موسى أن السلطات السورية اعتقلت فتيحة، وأن محتوى هاتفه يحتوي على أدلة إدانة بجرائم حرب.
التنصت على بسام الحسن.. وفضيحة الكيماوي
وصل التحقيق إلى ذروته عندما تم تسجيل مكالمة حساسة مع اللواء بسام الحسن، المستشار الأمني لبشار الأسد والمسؤول عن ملف الأسلحة الكيميائية، والمتهم في قضية اختطاف الصحفي الأميركي أوستن تايس.
أكد الحسن خلال المكالمة أنه لم يكن طرفاً مباشراً في ملف أوستن، لكنه تعاون مع جهات أميركية وقدم ما لديه، وأن الاجتماعات انتهت بتفاهم يقضي بعدم الكشف عن تفاصيل إضافية.
لكنه نفى أن يكون احتجاز أوستن مخططاً مسبقاً، واعتبره "حادثاً طارئاً". كما أشار إلى مقطع فيديو يظهر فيه أوستن برفقة جهاديين، قائلاً إن لونا الشبل، المسؤولة الإعلامية السابقة، اقترحت تصويره لأغراض إعلامية، وهو ما رفضه الحسن حينها.
مقتل لونا الشبل بأمر أمني مباشر
وعند سؤاله عن مقتل لونا الشبل، نفى الحسن تورطه، مؤكداً أن علاقته بها كانت جيدة، وأن خبر وفاتها فاجأه، لكنه رجّح أن تكون تصفيتها تمت بأمر من المخابرات الجوية السورية، في عملية تقف خلفها جهات أمنية عليا.
قرار استخدام الكيماوي.. من بشار الأسد نفسه
أكد الحسن بشكل مباشر أن قرار استخدام السلاح الكيميائي صدر من بشار الأسد شخصياً، وتم توجيهه إلى بديع علي، الذي نسّق مع سلاح الجو والعميد غسان عباس، المسؤول عن وحدة الكيمياء، والذي توفي لاحقاً نتيجة سكتة قلبية.
صراعات المال والنفوذ في موسكو
من المفاجآت التي كشفها التحقيق، تسجيل لمشادة كلامية عنيفة دارت داخل أحد فنادق "راديسون" في موسكو، بين أيمن جابر وسهيل الحسن، تبادلا فيها الشتائم على خلفية المال والنفوذ، في مشهد يُظهر هشاشة التحالفات الداخلية بين رموز النظام السابق.
تجنيد من داخل المنظومة
بيّن التحقيق أن موسى تمكّن من تجنيد شخصيات من داخل الفلول، أبرزهم جمال يونس، الذي أجرى مكالمات مباشرة مع عدد من ضباط الصف الأول، من بينهم اللواء قحطان خليل، اللواء سليم حربة، واللواء كمال الحسن، وعبر فيها صراحة عن اعتماده على "إسرائيل" ورفضه للمحور الإيراني – الروسي.