مستشار أمن قومي أمريكي سابق يدافع عن سياسة ترامب لتثبيت حكومة الشرع
طرح جنرال أمريكي متقاعد رؤيةً تقول إن واشنطن اختارت “الطريق الصعب لكنه الصحيح” في سوريا ما بعد النظام البائد، مع اتفاق إعادة دمج مثير للجدل مع الأكراد وضغط متصاعد في الكونغرس. وبين مخاوف الأقليات ورهانات الاستقرار، تتكشف تفاصيل تفاوض امتد قرابة عام.
قال مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق والجنرال المتقاعد في سلاح مشاة البحرية الأمريكية جيمس إل جونز جونيور، في مقال رأي نشره موقع “ذا هيل” بتاريخ 6 فبراير/شباط 2026، إن توماس باراك واجه واحدة من “أكثر الوظائف جحودًا” في الإدارة الثانية للرئيس دونالد ترامب، بينما يعمل على معالجة مسار تثبيت استقرار هش في سوريا بعد الحرب، في ظل شكوك عميقة داخل الكونغرس تجاه الحكومة السورية برئاسة الرئيس السوري أحمد الشرع.
وربط جونز هذا المناخ السياسي في واشنطن بماضي الشرع كمقاتل “جهادي” سابق، مشيرًا إلى أن هذا الماضي، ورغم ما وصفه بـ“الاستقبال الدافئ” الذي ناله الشرع من ترامب، يثير مخاوف لدى دوائر أمريكية من أن إعادة دمج الدولة السورية تحت قيادته قد تسير “بشكل سيئ”، بما يولّد ردود فعل “غريزية” لدى كثيرين في العاصمة الأمريكية.
وأوضح جونز أن هذه المخاوف لم تبق في إطار الانطباعات، بل انعكست في “انتقادات متزايدة الحدة” تستهدف مبعوث ترامب إلى سوريا، مدفوعة بخوف على سلامة الأكراد وأقليات أخرى، كما قادت، بحسب ما كتب، إلى تحركات في الكونغرس لإعادة فرض عقوبات على دمشق.
“حقائق جديدة” منذ أواخر 2024 ومسار سياسة ترامب
اعتبر جونز أن التغييرات “الدراماتيكية” في سوريا منذ أواخر عام 2024 فرضت على الولايات المتحدة سياسة جديدة هدفها تثبيت الاستقرار وصياغة ملامح سوريا ما بعد الأسد، وقال إن ترامب صاغ هذه السياسة ونفذها باراك بطريقة تعترف بـ“الحقائق الجديدة على الأرض”. وضمن هذا التصور، كتب أن “ديكتاتورية بشار الأسد انتهت”، وأن تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا “قُمِع فعليًا”، وأن “جزءًا كبيرًا من سوريا” يتجه إلى إعادة الاندماج والتطبيع ويُظهر دعمًا حذرًا للحكومة الجديدة.
وفي توصيفه لميزان القوى في الشمال الشرقي، قال جونز إن “قوات سوريا الديمقراطية” ذات القيادة الكردية، التي عدّها شركاء واشنطن في هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية”، تراجعت في العدد والسيطرة على الأرض مع “إعادة اصطفاف العشائر العربية” باتجاه الحكومة الجديدة، ومع ضغط دمشق، بحسب تعبيره، من أجل سيادة الدولة على المعابر الحدودية وموارد الطاقة والأراضي.
وفي المقابل، أشار إلى أن الشرع عمل على بناء علاقات إيجابية مع واشنطن وأوروبا، وأن لديه مفاوضات جارية مع إسرائيل، مضيفًا أن معظم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، “مثل معظم السوريين”، باتوا يرون حكومة الشرع “أفضل فرصة” لتحقيق الاستقرار في البلاد.
وانتقد جونز ما وصفه بتصوير إعلامي مضاد، مؤكدًا أن ما يجري ليس “سياسة توماس باراك في سوريا”، بل “سياسة ترامب في سوريا”، واعتبرها سياسة “حذرة” لأنها، وفق ما كتب، تقوم على الاعتراف بأن الدعم الأمريكي السابق للشريك المحلي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” لم يكن وعدًا بسيطرة إقليمية أو دعم مفتوح بلا سقف.
وفي هذا السياق، قال جونز إن الولايات المتحدة دعمت ما سماه “قوات سوريا الديمقراطية” ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” لمدة عقد عبر تزويدها بالأسلحة والدعم الجوي والمشورة ومئات الملايين من الدولارات، محددًا أن التمويل بلغ 130 مليون دولار في السنة المالية 2026، لكنه شدد على أن واشنطن لم تعد بدعم لا نهاية له أو بسيطرة على الأرض.
إعادة دمج “قسد” وحدود الرهان الأمريكي
انطلق جونز من معادلة قال إنها باتت حاكمة لمستقبل الشمال الشرقي، إذ كتب أنه “من دون غطاء جوي” ودعم مالي ومن دون العشائر العربية، لا يستطيع الجزء الكردي من “قوات سوريا الديمقراطية” الحفاظ على “دولة مصغرة” منفصلة عن بقية سوريا، معتبرًا أن إعادة الدمج كانت “دائمًا مطروحة”. وأدرج في هذا السياق توصيفًا سياسيًا وأمنيًا حين وصف هذا المكوّن الكردي بأنه “تابع” لحزب العمال الكردستاني الذي قال إنه مُدرج أمريكيًا على لائحة “المنظمات الإرهابية الأجنبية”.
ومع أن جونز قدّم إعادة الدمج كمسار متوقع، فإنه أكد أن “جودة إعادة الدمج” هي التي ستحدد النتائج، ورأى أن الكونغرس “محِق” عندما يضغط من أجل شروط عادلة ونتائج مواتية للأكراد.
واستعاد الكاتب تجربة أمريكية سابقة، قائلًا إن كثيرًا من الأمريكيين عملوا لسنوات دعماً لحلفائهم الأكراد في شمال العراق في إطار عملية “تقديم العون” عام 1991، واعتبر أن هذا المسار “مستمر حتى اليوم”، في إشارة منه إلى حساسية ملف الحماية والحقوق لدى الحلفاء الأكراد في الحسابات الأمريكية.
اتفاق يناير وتفنيد اتهامات “تضليل الأكراد”
قال جونز إن توماس باراك أمضى قرابة عام في التفاوض على ما وصفه بأنه “أفضل صفقة عُرضت على أكراد سوريا على الإطلاق”، لكنه أشار إلى أن سلطة المصادقة لدى “وحدات حماية الشعب” كانت مترددة في السماح بمرور الاتفاق.
ورفض الكاتب الاتهامات التي تتحدث عن أن باراك ضلل الأكراد، معتبرًا أن هذه الاتهامات “خاطئة”، وكتب أن بعض الأطراف داخل حزب العمال الكردستاني أو “وحدات حماية الشعب” ربما اعتقدت أن الولايات المتحدة ستدعم “الوضع القائم” إلى أجل غير مسمى، إلا أن باراك، بحسب رواية جونز، أوضح مبكرًا أن ذلك “لن يكون” واقعًا.
وأكد جونز أن واشنطن دعمت خيار إعادة الدمج مع ضمانات سياسية وثقافية “جوهرية”، وقال إن هذه الضمانات “كانت وما تزال مطروحة”.
وفي تفصيله للتسلسل الزمني، كتب أن الالتزام الرسمي باتفاق إعادة الدمج الذي أُعلن في 18 يناير/كانون الثاني، تم تأمينه في 30 يناير/كانون الثاني عندما وقع الرئيس السوري أحمد الشرع و“الزعيم الكردي السوري” مظلوم عبدي.
وعلى هذا الأساس، اعتبر جونز أن انخراط واشنطن بقوة لضمان التزام حكومة الشرع بتعهداتها “مناسب”، لكنه قال إن تهديد الحكومة الانتقالية أو توجيه اللوم إلى باراك بسبب كيفية إنجاز الاتفاق “غير مناسب”.
“أفضل من 15 عامًا مظلمة” ورهان “الانتصار الكبير”
اختتم جونز مقاله بالقول إن سوريا في وضعها الراهن “أفضل بكثير” مما كانت عليه خلال “خمسة عشر عامًا مظلمة” من الحرب والتشظي، معتبرًا أن ترامب وباراك وضعا الولايات المتحدة على “عتبة انتصار كبير” يخدم مصالحها عبر إنهاء الحرب وتثبيت الدولة ودفع المنطقة نحو مزيد من الازدهار.
وفي الوقت نفسه، لم يُسقط جونز عنصر المخاطر، إذ أقر بأن المخاطر ما تزال قائمة وأن “قدرًا كبيرًا من العمل” لا يزال مطلوبًا، لكنه رأى أن الرئيس الأمريكي ومبعوثه “يستحقان” الإشادة بهذا المسار حتى مع استمرار التحديات.