تحاول "إيناس" ، هذه الأيام ، السير بالشوارع بشكل طبيعي ، دون حاجة لأن تسرّع الخطوات أو تلتفت بكل الاتجاهات بحثاً عن خطة هرب في حال بدأ القصف ، وتفكر ملياً بأن تبحث عن نزهة قد تكون بلا موت ، بعد أن تقرر أخيراً تطبيق "هدنة" تشمل مدينتها التي نالت من الموت ما يشبع الأرض.
لدى ايناس ، وهي ممرضة في أحد المراكز الطبية في الغوطة الشرقية ، تخوف من كلمة "هدنة" فهي تعني أنها مفتاح لمجازر دموية ، طريق مميز لتنفيذ مخططات خبيثة .
و دخلت سوريا في هدنة جديدة منذ ٣٠ كانون الأول الفائت ، بعد أن توصلت تركيا و روسيا لاتفاق يقضي، بالبدء بهدنة مؤقتة يتبعها في حال النجاح الدخول بمفاوضات حددت عاصمة كازخستان “الاستانة” مقراً لها ، وسط ضبابية في الرؤية و الكيفية التي ستظهر فيها هذه المفاوضات ، التي لاتعد جديدة أو نوعية ، اللهم إلا من تحكم دولتين (تركيا و رسيا) وحدهما فيها.
لم تخفي “ايناس” ارتياحها نفسياً مع سماعها كلمة “هدنة” ، رغم يقينها أن الهدنة لن تكون فاعلة، فالهدنة برأيها هي “ضحك” على المدنيين ، وتستهزئ ايناس بالهدنة بطريقة أهل الغوطة المعروقين بكثرة “المزاح” ، وتقول :”صوت القصف ماتغير ...بالعكس أشتد ...الجبهات مولعة نار ورصاص وقذايف.... طيران ما عم يهدي لا نهار ولا ليل ....والهدنة بعدها متربعة عالطاولة المفاوضات معززة مكرمة”.
الغوطة الشرقية لعبت دوراً محورياً في مفاوضات الهدنة التي استمرت لفترة ليست بالقصيرة في “أنقرة” ، إذ أصر الجانب الروسي على استثنائها من الاتفاق كما هو حال وادي بردى ، الأمر الذي رفضه ممثلو الفصائل المشاركين بالمفاوضات ، الأمر الذي أجبر روسيا استحياء ضمن المنطقتين ، و لكن عملية الضم كانت على الورق فقط اذا لازالت الغوطة تتعرض للقصف و محاولات الاقتحام من الأسد و حلفاءه و ذات الشيء و إن كان بسوية أعلى بكثير في وادي بردى.
خروقات الأسد و حلفاءه للهدنة ، سواء بالقصف أو غارات الطيران أم بالهجوم البري ، جعلت روتين حياة ايناس ، المقيمة في مدينة دوما وتعمل في مركزها الطبي كممرضة ، لا يتغير فرعايتها لبيتها و زوجها و كذلك قطتها ، فعجلة الحياة لا تتعطل وفقاً لها.
حصار الغوطة الشرقية الذي بدأ قبل أربع سنوات ، صعّب من حياة المدنيين الذين يقدر عددهم ، في تلك الرقعة الملاصقة لدمشق ، بـ ٤٠٠ ألف مدني ، فزوج ايناس يعمل طوال اليوم متجولاً على دراجته الهوائية، مع انعدام أي آفاق أخرى للعمل في منطقة مساحتها تتآكل بشكل مستمر نتيجة الهجمات التي لم تعرف التوقف عليها طوال السنوات الخمس الماضية.
و تسرد ايناس اللحظات القليلة التي سبقت الهدنة ، والتي شهدت مجزرة أودت بحياة ١٤ شهيد غالبيتهم من النساء و الأطفال ، وتقول ايناس أن أقسى مشهد حينها كان لجثمان طفلة لم تتجاوز الـ ١٢ عاما ، تم احضارها إلى المركز دون رأس ، ولا يكاد صوت أنين المرضى و المصابين يغادر آذانها طوال فترة دوامها الممتد من الثامنة صباحاً و حتى الرابعة عصراً ، وفق لنظام دوام ليس بيومي.
حرب النظام و حلفاءه على الشعب السوري التي تنهي عامها السادس ، لم تعرف التوقف أو الانخفاض بالدموية ، وباتت الحرب هي الكابوس الذي يعيشه السوريين ، وما “الهدنة” و لو “كاذبة” إلا فترة راحة من مواجهة الموت بلا أي درع إلا بقايا لباس .
لا احتفالات في رأس السنة للسوريين، ثمة احتفالات من نوع آخر تقتحم حياتهم، الاحتفال بالراية السوداء.
في ليلة رأس السنة، أتحف ما يسمى “أهل العالم في الشام” السوريين ببيان يبشرهم بسرقة آخر ما تبقى من ثورتهم، وبتحويل الثورة إلى ميليشيا أمراء، تُكفّر وتُتاجر بالإسلام والوطن والطوائف، حين أعلنوا توقيع ما يُسمى اتفاقية الاندماج في الشمال السوري.
“أحرار الشام، فتح الشام، نور الدين زنكي، أجناد الشام، لواء الحق، أنصار الدين، الحزب الإسلامي التركستاني”، ولاحقًا “أجناد القوقاز”، هم الموقعون على الاتفاقية التي سترفع العلم الأسود شعارًا لهم، وسترمي العلم الأخضر “المعادي للأسد” بالرصاصة غير الرحيمة.
وبين الاندماج والانشقاقات، رفضت “أحرار الشام” الاندماج، واشتعلت معارك افتراضية على الـ (تويتر) بين لبيب نحاس (رئيس العلاقات الدولية في حركة أحرار الشام)، وآراء قريبة من “فتح الشام”، أو مُحتجة على شق الصف من مختلف الآراء الإسلامية، وبات خبر الاندماج ما بين تأكيد ونفي، أشبه بأخبار معارك الفصائل التي تزغرد للتقدم شبرًا، وتولول للتراجع شبرين، ولا تزال الراية السوداء بانتظار خضوع كل من يرفض الضرب بسيفها وسيف “جبهة الشام”.
في العودة إلى الفصائل التي من المفترض أنها وقعت على الاندماج للقتال ضد نظام بشار الأسد، عدو السوريين والثورة، فإن ثمة اسمين لفصيلين لا يعرفهما أحد من السوريين: “الحزب الإسلامي التركستاني” و”أجناد القوقاز”، ذلك أن الفصيلين ليسا سوريين، فعن أي ثورة تتحدث “فتح الشام”، ولمصلحة من يجب أن تُوقّع فصائل سورية على وثيقة ستضعها جميعها تحت سيف صفة الإرهاب، وستضع كل متعاطف معها تحت السيف نفسه؛ هل فعلًا هؤلاء الزعماء يُقاتلون ضد النظام، أم يُقدمون أغلى هدية لبشار وبوتين؟
المعارضة السورية المسلحة، كما تحب القنوات الإخبارية العربية أن تسميها، والثوار كما كان يسميها السوريون، أصبحت اليوم عددًا لا متناهيًا من الفصائل، لا هي تعرف الشعب، ولا الشعب يعرفها، لا بتسمياتها ولا بأعدادها، ولكنهم يعرفون أن الداعم السياسي والمادي هو الحد الفاصل للتفريق بينها.
وللشمال السوري تناقضات لا تنتهي، إذ بعد الإعلان عن توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار قبل أيام قليلة، خرجت بعض الفصائل لتُنكر توقيعها على الاتفاقية “أحرار الشام وفتح الشام”، وبعد أن اكتشفت المعارضة المسلحة التي وقّعت على الاتفاق أن ثمة خديعة من الجانب الروسي، وأنهم وقّعوا على اتفاقية مختلفة عن تلك التي وقعها النظام، سارعت “جبهة فتح الشام” و”أحرار الشام” للشماتة والضحك.
بمن يشمت أولئك ولصالح من؟ ومن سلّم حلب للنظام ولروسيا، وكيف خرج “الأحرار” و”فتح الشام” من الشهباء خلال ساعات، تاركين وراءهم مخازن الطعام والسلاح ممتلئة، ومن اتّخذ قرار تسليم حلب، وهل يأتي الاندماج اليوم؛ للتغطية على النكبة التي تركوا حلب والسوريين فيها، بعد ذلك السقوط المريع والسريع والمفاجئ؟
فصائل معارضة مسلحة، إسلامية، لها شرعيوها وقضاتها ومشايخ فتاوى بحسب الطلب، تُوقّع أو لا توقّع، تنسحب أو تُحارب، ترفع علمًا أسودَ، وفي أحسن الأحوال ترفع علمًا باسمها، معارك تويترية، اندماج يتجمّل بفتاوى دينية؛ للتأثير في الشعب الذي لا يتوقف عن الموت برصاص كل دول العالم، وأمام ناظريه، ومعارضة سياسية فاشلة غائبة ومُغيّبة، شعبوية منافقة، أو نرجسية حمقاء، تستنكف عن إطلاق تصريح حول ما وقّعت عليه الفصائل، فتُسارع تركيا لـ “فرك أذنها”؛ لتكون النتيجة تصريحات سريعة ومباشرة لمباركة الاتفاق، الذي لا يزال الشعب غائبًا عن تفاصيله، وبينما تنص الاتفاقية على إلزام الدول الضامنة “تركيا وروسيا” مراقبة وقف إطلاق النار، يخرج صحافيون وناشطون بمجموعة “فيسبوكية”؛ لتوثيق الانتهاكات، مجموعة تغيب عنها معايير التوثيق، ويحضر فيها تجميع “لايكات”، وتموت “بوستات” التوثيق ويموت معها إحساسنا بالهدنة، أو كما يُحب العالم أن يسميها “وقفًا لإطلاق النار”، ويتوقف بردى، ويدب اليأس في قلب فصائل بردى، ويناشدون فصائل الشمال، ولا حياة لمن تُناشد، فأولئك مُنشغلون بالاندماج وعدم الاندماج، ويصيح السوري “لله المشتكى”.
بعد ان حاولت روسيا الكيل بمكيالين، ودفع المعارضة المسلحة للتوقيع على هدنة مزعومة برقابة تركية – روسية، جاء تصعيد قوات النظام السوري على وادي بردى، كنوع من لّي الئراع لإنهاء منطقة ريف دمشق بشكل شبه كامل، والسيطرة على مكنون المياه فيها، إلا أن الروس لم يتوقعوا صموداً من فصائل وادي بردى، خاصة أنها تضم 100 ألف مدني يمكن الضغط من خلالهم على الفصائل للانسحاب منها وتسليمها للنظام، في وقت قليل.
روسيا التي لم تستطع كظم غيظها، عادت الى قصفها الجوي في ادلب وريفها، كإشارة منها لنقض الهدنة الموقعة في ال29 من كانون الأول، وهذا النقض لم يكن الأول في عهد التواجد الروسي في سوريا، فقد سبقه نقض الهدنة الروسية - الأمريكية قبل أشهر، بعد استخدام ذات أسلوب الضغط الجوي، والتفنن في الاجرام ضد المدنيين، وهو امر متوقع في السياسة الروسية بل إنه الشيء الطبيعي على أقل تقدير.
روسيا التي "تبولت" في طبق طعامها، بعد أن حاولت أن تدفع بعجلة الحل السياسي لأنها لم تعد تحتمل المزيد من الخسائر، عادت الى أصلها ونجست طبق طعامها، لأنها لن تستطيع أن توصل سوريا الى الحل السياسي الذي يتلاءم ومصالحها، بالإبقاء على جذور النظام مع تغييرات طفيفة، وكأنها تريد أن توقد امبراطوريتها السوفيتية المزعومة من خلال اثبات حيويتها في سوريا، من خلال اتباع أسلوب الهمجية السوفيتية لإعادة أمجادها من جديد.
فلاديمير بوتين الذي خطط لإلباس قميص الإنتظار لكافة الفصائل الموقعة على الهدنة ، ليجبرها على الإلتزام بشروط مزيفة ، تتماهى الى جانب النظام السوري ، لم يتوقع في هذه الفترة من الحرب التي أنهكت الروس أنفسهم بالرغم من امتلاكهم ترسانة بحرية وجوية، ألا تكون قوى الفصائل قد أنهكت خاصة بعد معركة حلب الأخيرة، ما يجعلها أكثر سلاماً وقبولاً بالشروط المدرجة في الهدنة، خاصة بعد سيطرة النظام على حلب وعلى معظم المناطق المحيطة بدمشق، إلا ان الفصائل وبالرغم من هفواتها لم ترضى بمواصلة الإلتزام بالهدنة، التي كان لتركيا دور في دس السم في المعارضة السورية بما يتناسب ومصالحها.
وماكان أمام روسيا إلا أن تعود من جديد الى القصف الجوي، خاصة مع التصعيد الأمريكي الأخير بطرد دبلوماسيين روس من الولايات المتحدة، لتثبت للرئيس الأمريكي الجديد الجديد "دونالد ترامب"، أنها محور البوصلة في الشرق الأوسط، وإن كان يتوجب عليها أن تتبول في طبق طعامها فليس هناك مشكلة، المهم ان تبقى امبراطورية بوتين تصدح في سوريا، حتى تتاح له الفرصة لعب لعبة جديدة من خلال عرض هدنة مزعومة جديدة، قد تؤدي الى حل سياسي في سوريا ذات يوم.
مع تصاعد السجال الحالي داخل التشكيل الأكبر و الأبرز في الثورة السورية ، بشأن الاندماج من عدمه مع المعروض حالياً في الساحة ، تدخل حركة “الأحرار” في نفق مظلم لا يبدو أنها ستخرج منه قريباً كما كانت من قبل ، وسط توقعات بأن الانشقاق الداخلي قد ضرب أطنابه و تجذر.
تختلف النظرات و التحليلات التي تبحث في مسببات ما وصلت إليه الحركة ، التي قادت ، ولازالت (و إن كان بزخم أقل) مسيرة الثورة السورية ، واستطاعت أن تدير مفاصل مهمة من العمل الثوري بأنواعه المختلفة ، لكن هذا الأمر لم يدم على ذات السوية و بنفس النَفس ، إذ أن الخط داخل الحركة اختلف بطريقة ، يجعل البنيان العملي فيها آيلاً للسقوط.
يكفي أن تُطلق لحيتك و تتفقه ببعض الدين ، وبالطبع وجوب المبايعة بلا عودة أو ردة ، حتى تحظى بفرصة جيدة جداً ، لأن تكون ذو شأن و دور فاعل في مختلف مناحي الحياة (العسكري - المدني - الاغاثي - السياسي - الاعلامي …. ) ، ولا حاجة لشهادات اختصاصية ولاخبرات عملية ، فالأمر ليس بهذه الأهمية ، وهذه القضية لاتتعلق بـ “الأحرار” وحدها و لكنها دخلت مفاصل هذه الحركة ، وانتشرت.
قد يكون الانتقاد مزعجاً و يُتهم بأنه خبيث ، والأهم بأنه نابع عن “كاره” ، و لكن من يراجع مسار الحركة منذ أول كتيبة حتى وصولها إلى الانتشار الأوسع في كافة المناطق السورية ، ويستذكر قياداتها و آلية الادارة التي كانت تنتهج ، يشعر بواجب الانتقاد ووجوبه , علّه يفيد في تدارك ما يمكن تداركه.
اليوم حركة الأحرار التي تواصل عمليات تهميش الخبرات جميعها ، ووضعها في مفاصل غير ذات أهمية ، و الأهم لاتملك أي قرار بأي أمر مهما صغر أو كبر ، وظهرت طبقة كانت محصورة في نطاق ضيق بـ”الشرع” و الافتاء ، إذ بها اليوم تتصدر المشهد و تتخذ القرارات في أعقد الأمور ،حتى يصل إلى حد التدخل في سياسات الدول ، مع عنجهية مبنية على أوهام ، نتيجة الضعف في الخبرة و ضبابية النظرة.
اليوم تقف الأحرار أمام مشهد مصيري ليس لها كتشكيل أو مجموعة ما ، وإنما الأمر متعلق بشعب بأكمله تتحمل مسؤوليته و وزره ، والغريب هو الاصرار على الاعتماد على أشخاص يتمتعون بنوع عالي من الولاء حد التبعية العمياء ، وابعاد أي خبرة حتى بات اليوم التعامل مع الحركة بحاجة لبدائية مقيتة حتى توصل فكرتك أو تفهم ما يرغبون.
لايقتصر الأمر على جناح معين في الحركة بل الأمر أشمل من أي يحصر ، والشق العسكري ليس ببعيد اطلاقاً بعد سلسلة من المعارك الغير موفقة سواء ضد النظام وحلفاءه أو الخوارج ، اضافة للجانب الأمني المتفلت ، وجميعها يصب في ذات السبب ألا وهو التركيز على الولاءات و استبعاد الكفاءات .
الشلل في حركة “أحرار الشام” ، هو أمر مريب و يتطلب وقفة جادة و حادة من الأصلاء الذين عاصروا القادة الشهداء ، الذين قدموا نموذجا أكثر من رائع في توزيع العمل تبعاً للاختصاص ، نجحت في تأسيس مناطق بإدارات مدنية و تنسيق الخدمات بالتوازي مع نشاط توعوي شامل ، واستيعاب للجميع لحد الاحتضان .
مع قرب دخول ترامب للبيت الأبيض، أطلق أوباما آخر أوراقه بغية صناعة مجد أخير، كانت إدانة الاستيطان الإسرائيلي، ومن ثم طرد الدبلوماسيين الروس، وهي إجراءات شكلية لا تؤثر على جوهر التمدد الروسي، ولن توقف الاستيطان الإسرائيلي.
بالنسبة لترامب، فإن التفاهم مع الروس سيكون مهمًا فترة ولايته، وثمة أنباء عن أدوار مرتقبة لمن خبر الروس ودرسهم مثل هنري كيسنجر، لكن في ظل كل تلك التحليلات، كيف ستكون الأمور بين دول الخليج وزمن ترامب؟ وخصوصًا بعد أن أثبتت الدول الست قدرتها على تنظيم الاختلاف حول بعض الملفات، وبدا ذلك بعودة سلطنة عمان إلى البيت الخليجي، منضويةً مع التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب... كيف سيتعاطى ترامب مع دول الخليج؟!
ربما من أهم ما صرّح به فريق ترامب، عزمه الحقيقي على تأسيس حلف يضم دول الخليج ومصر وتركيا، وذلك للحد من مدّ إيران الطغياني، وتهيئة الأجواء لمحاصرة الإرهاب، وتأمين دول الخليج... المشروع كان رفضه أوباما المنعزل. الخطط المزمعة لدى ترامب في المنطقة ستصبّ في صالح دول الخليج وأمنها، قد نعيش عقبات الاتفاقية الإيرانية، وتغول المارد الطائفي بالمنطقة أكثر مما هو عليه الآن، غير أن الفارق يكمن في وجود رئيس قوي مثل ترامب، بفريق حكومي لديه وعي شديد بألاعيب إيران، على عكس تراخي أوباما، وكيري، الخطير مع إيران، ومحورها الأشر.
الضرب في الميت حرام، لكن يمكن التذكير باستسلام غير مسبوق، لإدارة أوباما أمام ملالي إيران! وذلك رغم إنشائها لأكثر من أربعين فصيلاً ميليشياويًا، يدربهم، ويصرف عليهم، ويقودهم الحرس الثوري الإيراني. بينما الحشد الشعبي الطائفي في العراق، يشكّل أكبر التهديدات التي تواجه دول الخليج، إذ جنّدت إيران، ومعها المحور الموالي لها بالعراق عشرات الآلاف من المقاتلين، أخذتهم من الحياة الطبيعية، والدكاكين، وممارسة اليوميات إلى جبهات القتال، وهي الآن تبشّر بالذهاب إلى سوريا، ومن بعدها الانتقال للقتال باليمن، وربما أطلقت هذه الذئاب الجائعة لدول الخليج، بغية ممارسة عمليات إرهابية، والانتقام من السعودية والبحرين، وربما استهدفت الكويت، ولن توفّر بقية الدول المنضوية مع السعودية في التحالف العربي، لإعادة الشرعية في اليمن.
أمام ترامب تحدٍ أساسي، يتمثل في إدراج الإرهاب الشيعي ضمن الحملة على الإرهاب، ليعكس النظرية الأوبامية الطائفية الناظرة للإرهاب فقط، بوصفه منتجًا سنيًا، بينما الميليشيات الشيعية «تحارب (داعش)»!
كنتُ اطلعت على دراسة مهمة لمريم سلطان لوتاه، عن «أمن الخليج، والتحديات الراهنة، والسيناريوهات المستقبلية»، وبقدر جدّية الطرح، فإن الخلاصة التي وصلت إليها الباحثة ترصد مخاطر حقيقية أمام الأمن الخليجي في المستقبل المنظور. الدراسة ترى أن «تجاوز حالة الضعف، والانطلاق نحو تحقيق الأمن بمفهومه الإنساني، لن يتأتى إلا من خلال علاقة تعاونية عربية، كفيلة بأن توفر لكل بلدٍ عربي عمقًا أمنيًا إقليميًا، يجعله أكثر صلابة في حال تعرضه لأي تهديد خارجي»، ثم تعوّل على أمر داخلي لدول الخليج، وهو «الاستقرار السياسي»، وهذا بالطبع أمر مهم، إذ إن الوحدة الداخلية للمجتمعات الخليجية مع الأنظمة السياسية، تسهم في رفع مستوى التحدي للتدخلات الإيرانية، وخصوصًا أن الإعلام المعادي يرسم سيناريوهات تقسيم كارثية، لكن سرعان ما ردّت مصادر من فريق ترامب، بأن التقسيم بالمنطقة ليس من أجندات ترامب السياسية.
مستقبل الخليج مع الإدارة الأميركية القادمة، يرجح أن يشهد تعاونًا أكبر مما كان عليه في الحقبتين الرئاسيتين لأوباما، ذلك أن الملفات المشتركة والتعاون الأمني والسياسي ضروري، لتحصين المنطقة من الإرهاب بأشكاله السنية والشيعية. لا فضل لإرهاب على آخر، ولا فرق بين إرهاب سني أو شيعي.
يدرك ترامب وفريقه، أن المدّ الإيراني يدمّر مصالح أميركا التاريخية، كما يقول هنري كيسنجر نفسه، وبالتالي فإن تعديل الاتفاق النووي الإيراني، وتقليم أظافر الملالي ونظامهم، يؤمّن مصالح الولايات المتحدة، وخصوصًا أن إيران تخدم حضور روسيا في الخليج، ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، وهذا يضعف من الهيمنة الأميركية التاريخية، وتجعل حلفاءها أقل حضورًا وتأثيرًا.. وحين ينحسر الاعتدال تحضر قوى الظلام والقتل!
أغلقت سنة 2016 على إعلانٍ ثالث لوقف إطلاق نارٍ شاملٍ فوق الأراضي السورية.. الأمر يختلف قليلاً في المرة الأخيرة عن سابقيْه، فقد جاء الإقرار بعد اجتماعاتٍ بين روسيا وإيران وتركيا، ولهذه الدول قواتٌ عسكريةٌ على الأرض، ولها تداخل مباشر وفعال، ولكل منها مصالح قوية، بعضها متعارض. جرى الاتفاق بغياب قوى إقليمية ودولية مؤثرة، وإن لم تمتلك قوات عسكرية في الميدان، ولكن انجاز الاتفاق بغيابها لا يعني أنها غير موافقة. أما توقيع الإعلان فقد تم بواسطة قادة الفصائل العسكرية الرئيسية، واستُثني تنظيم الدولة الإسلامية. تبدو كل هذه الفعاليات ذات شكل عسكري، ابتداءً من الأطراف الراعية والضامنة، وهما روسيا وتركيا، المنخرطتان عسكرياً، ومن ثم الأطراف المقاتلة على الأرض، مثل جيش النظام مع المليشيات المتحالفة معه، وجبهات المعارضة المسلحة.
وعلى الرغم من بعض الاعتراضات التي رافقت الإعلان، إلا أن الالتزام يبدو واضحاً على الجبهات الرئيسية حتى هذه اللحظة. لا تتضمن الوثائق التي وقع عليها الطرفان بنوداً كثيرة، ولكنها تحمل التزاماً بتشكيل وفد، والبدء بالحوار لإقرار خريطة طريق. التوقيع على وقف إطلاق النار ليس مشكلةً لأحد، فيمكن العودة عنه، أو إليه في أية لحظة، وتحت أية ذريعة، وتشكيل الوفود أيضا مسألة في غاية السهولة. العقبة في خريطة الطريق، وهو الطريق الذي غابت معالمه بغياب كل آثار المدن الرئيسية والفرعية، الواقعة تحت تأثير القصف، وسُجل فيها نصف مليون قتيل، وتشريد لنصف السوريين المسجلين رسمياً في دوائر نفوس وزارة الإدارة المحلية.
المطلوب، بحسب الاتفاق الطازج، من جهات عسكرية الطابع ونزقة الطباع، إقرار خريطة طريق لمن تبقى في سورية، للخروج من تحت الأنقاض، وبداية حياة جديدة. تبدو المسألة عسيرةً لأن الطريق المطلوب رسم خريطة لها غائبة الملامح ومقطعة الأوصال، والتوقيع ذاته الذي أعقب أعنف هجوم على مدينةٍ عريقةٍ كحلب انتهى بتهجير ربع قاطنيها، بعد أن تحوّل جزؤها الأكبر إلى كومةٍ من الحجارة. التباينات واسعةٌ جداً بين الأطراف الموقعة للوثائق، وهي تبايناتٌ ستجعل الوصول إلى خريطة طريق موحدةٍ مهمة شديدة الصعوبة، تصل إلى مرتبة المستحيل، بالإضافة إلى وجود أطرافٍ عسكريةٍ أخرى، ذات حضور واسع وفعال، من الصعب على أي خريطة طريقٍ الظهور إلى الحياة، قبل أن يُعرف مصيرها، كتنظيم الدولة الإسلامية، وقوات سورية الديمقراطية، وهما قوتان إرهابيتان، بحسب تعاريف مختلفة للدول الراعية والجهات الموقعة على الإعلان. أما الخلاف الرئيس، والذي قد لا تتوفر له حلول مقبولة، فهو بشار الأسد نفسه، الذي لا زالت قوى المعارضة تصرّ على اختفائه بشكل كلي. أما طرف النظام، فلا يرى لنفسه وجوداً إلا بترؤس بشار الأسد زمام السلطة، وبالطريقة التي توحي بها قافية اسمه "إلى الأبد"، بالإضافة إلى الوضع الغائم للقوى السياسية المعارضة، الممثلة في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والذي لا يقترب منه الاتفاق، وكأنه مدعوٌّ، بطريقةٍ خفيةٍ، إلى أن يحل نفسه، حيث لا مكان متوافرا له في المشهد العسكري الحالي. وهذا ما يمكن أن يُدخل الحل ضمن مضمار "الخطير"، وقد اصطبغ كل شيء بلون عسكري، ما يعني أن المشهد كله أصبح معقداً، ونحن نتحدث عن تطبيق الديمقراطية.
شكل الإعلان المقتضب المصرّ على وقف النار، وبالوضع الراهن، يبدو كأنه غاية بحد ذاتها، وليس وسيلةً لبدء المفاوضات، والشروع برسم معالم طريق الخروج، تريد منه روسيا تثبيت شكل جغرافي محدّد، وتسجيل بضع نقاط في الأمم المتحدة التي أصدرت للتو قراراً يثني على إعلان وقف النار. يساهم الإعلان، بالفعل، في تثبيت خطوط وقف النار، وربما تعميقها، وقد تتحول مباحثات خرائط الطريق في أستانا إلى محادثات هدنةٍ، تُضبط فيها المعابر، وتُرَسّم فيها الحدود. وهذه بكلام صريح محادثاتُ تقسيمٍ مؤقت، قد يتحوّل إلى وضع نهائي. وبهذا، نكون قد كسبنا وقفاً للنار مقابل خسارة سورية موحدة، وإلى الأبد.
تفرض نفسها عبارة "شر البلية ما يُضحك"، فالسخرية وحدها تلطف الألم الشديد. ومثل ملايين من المتابعين للأحداث في عالمنا الذي يغلي بأفظع أشكال العنف، أقارن بين أداء المخابرات السورية وأداء المخابرات (أو الشرطة) في دول أوروبية عديدة. ومنها فرنسا وألمانيا اللتان شهدتا، في العام الماضي، جرائم مروّعة من دهس مواطنين عزّل إلى قتل قسّ في كنيسة (كان قد تبرع بأرض لبناء مسجد) إلى تفجير ملعب وإطلاق النار عشوائياً في مطاعم في باريس.
تتمتع المخابرات السورية بالسلطة المُطلقة، ويشعر كل سوري أنها تقبض عليه من عنقه. ويرتعب كلما اضطر أن يغادر سورية أو يعود إليها، إذ لا يعرف أي تهمةٍ قد تكون فُبركت ضده، ويشعر السوري أنه متهم دوماً من المخابرات، وعليه أن يقدّم براءة ذمة يومياً بأنه مواطن صالح، وشعاره في الحياة "الحيط الحيط ويا رب السترة". وكم من مواطن سوري أوقف على الحدود أو في المطار، بتهمة تشابه أسماء، واحتجزته أياماً أجهزة الأمن للتحقيق معه. وبعد أيام، وحين يكتشفون أن ثمّة خطأ وتشابه أسماء، يطلقون سراحه مع "لا تؤاخذنا". وأعرف مئات من هؤلاء المنكوبين قرّروا العودة من حيث أتوا، مضحّين بلقاء أهلهم، وتاركين بلدهم في قبضة الأمن.
لا تفوّت السلطة اللامحدودة للمخابرات السورية شاردة أو واردة، وأنا ممن لم أسلم من تحقيقاتهم، منعوني من السفر إلى البحرين، وأجبروني على مراجعة فرع أمن الدولة في دمشق (مع أنني أسكن اللاذقية)، ولا أعرف التهمة حتى اللحظة، لكن المحقق قال لي غاضباً: أنت تكتبين مقالات في جرائد معادية لسورية، وتنشرين الغسيل الوسخ. فقلت له إنني أفهم الكتابة بأنها نشر للغسيل الوسخ، كي ننقّي حياتنا من الأخطاء. واضطررت، لأحمي نفسي، ولخوفي من ألا أخرج من فرع أمن الدولة، أن أستشهد بقول حافظ الأسد: السكوت عن الخطأ مشاركة فيه. ويا للتأثير العجائبي لهذه العبارة. خرجت أدندن بأغاني الفرح بأنني لم أعتقل. بل في اليوم التالي كتبت مقالاً عن شجرة الفتنة الرائعة في حديقة فرع أمن الدولة، وكنت قد شعرت بالدهشة والصدمة إذ كيف تجرؤ شجرة الفتنة هذه على أن تنمو هناك.
لا يوجد نشاط ثقافي أو اجتماعي في سورية إلا ويحتاج لموافقة الأجهزة الأمنية، وأذكر أنني قدمت محاضرة في المركز الثقافي في اللاذقية (قبل بداية الثورة) عن الأدب النسائي، ويبدو أن عنصري الأمن المُكلفين بحضورها وكتابة تقرير عنها لم يتمكّنا من الحضور، لأسباب أعاقتهما. ثم فوجئت بعد ساعتين، في عيادتي، بدخول شابين مذعوريْن، طلبا مني أن ألخص المحاضرة، لأنهما من المخابرات ولم يتمكّنا من الحضور. حتى السفر وتقديم طلب إجازة إدارية لموظف أو طلب استقالة يحتاج موافقةً أمنية، من دمشق تحديداً، وقد ينتظر المواطن أياماً طويلة، وربما أشهرا، لكي يحصل عليها. باختصار، يشعر كل سوري أن عنصر أمن يشاركه العيش في بيته، أو بفرع مخابرات صغير محفور في دماغه، حتى أن أسرا كثيرة تصرخ بأولادها بأن يُخفضوا صوتهم، وهم يتكلمون عن فظاعات الأمن بأن للجدران آذانا.
عجيب أداء المخابرات الفرنسية والألمانية (مثلا) الرحيم، وغير المنطقي، فكل الذين ارتكبوا عمليات إرهابية في فرنسا أو ألمانيا كانت لهم سوابق جنائية وإجرامية والدولة على علم بها، ومع ذلك، ظلوا طليقين، يتنقلون من دولة إلى دولة. وأسخف حجة قرأتها أن المجرم المشتبه به (الطليق طبعا) يضعون في يده إسوارة معينة تدل على مكانه، ويبدو أنها تزيينية، فمن قتل الكاهن العجوز في الكنيسة كان يلبس الإسوارة، وارتكب جريمته من دون أن تفيد الأجهزة الأمنية بشيء. كيف يمكن تبرير بقاء هذا المجرم طليقاً بتنقلاته ولقاءاته مع العقول المدبرة، ويكون الحل الأمني والتفكير المخابراتي الفرنسي بأن يضعوا في معصمه إسوارة تدل على مكانه. وكانت لمن دهس بشاحنته أكثر من مائة شخص في مدينة نيس سوابق إجرامية كثيرة، ومع ذلك أطلق سراحه القضاء الفرنسي. وكم بدا مضحكاً وسخيفا لكثيرين اقتحام نحو ثلاثمئة عنصر أمني مسلح في الرابعة فجرا منزل شقيقة المجرم الذي ارتكب التفجير في ملعب باتلاكان في باريس، واستغرق الاقتحام ساعات. ورجحت معظم الصحف الفرنسية أن المرأة هي من فجرت نفسها. لو أن هذه المشكلة في سورية لكان الحل يستغرق ثانية واحدة (لا مبالغة)، يقصفون البناية التي تسكنها أخت المجرم ببرميل متفجر وينتهي الأمر. ويكون كل سكان البناية شهداء.
على أي أساس يتم إطلاق سراح هؤلاء والسماح لهم بالتنقل من دولة إلى دولة، بينما القوانين شديدة الصرامة، حين ينتقل طبيب مثلاً حاصل على تأشيرة إلى السويد، ليقيم ويعمل في فرنسا، لا تتوانى السلطات الفرنسية عن إعادته إلى البلد الذي أعطاه التأشيرة خلال 48 ساعة، كما لو أنه المجرم.
الفرق شاسع بين سلوك المخابرات السورية وتلك التي في ألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، كما المسافة بين الأرض والسماء. وكان صديق جاداً في مزاحه بقوله إن على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إرسال عناصر من مخابراتهم، ليتم تدريبهم في سورية، حيث كل مواطن مُتهم حتى يثبت العكس.
جاءت الصفعة الكبرى لفصائل المعارضة السورية مع بداية العام الجديد، ولم تبخل روسيا وتركيا بهدية "بابا نويل" على الشعب السوري، أرسلتها لهم في زوبعة من المكر مستبعدة هيئة المفاوضات، لتستغل هشاشة السياسية لدى الفصائل، وتجرفهم لتوقيع وثيقة مختلفة عن تلك التي وقع عليها النظام السوري مع ابرة مخدر يذهب مفعولها مع فوات الأوان.
الاختلاف في لب الوثيقتين، يشد حبل الحل السياسي باتجاه "النظام السوري"، في الوقت الذي كانت فيه كلمة "تأييد وإقرار" الفصائل المعارضة واضحة في الوثيقة التي وقعوا عليها، لتبدوا الفصائل المعرضة وكأنها تابعة لرأي النظام السوري، وما يزيد الطين بلة هو أن وثيقة النظام تضمنت بند يؤكد على تشكيل النظام لوفد في 31 كانون الأول، ليقوم بمفاوضات التسوية السياسية في أسيتانة، لتقدمه في اجتماع مجلس الأمن، فيما جاء في وثيقة المعارضة تشكيلهم وفد حتى 6 كانون الثاني، الأمر الذي سيجعلهم "مثل الأطرش بالزفة"، في ذات المجلس.
الصدمة التي لن تصحوا منها فصائل المعارضة حتى يكون السم قد أخذ مفعوله في المعارضة، في الوقت الذي شمتت بعض "الفصائل الخارجة عن الاتفاق" بالطعنة التي تلقتها الفصائل الموقعة، ليكون النظام وروسيا نجحوا في عملية الشرذمة وشق الصفوف بين المعارضة بامتياز.
في هذه الأثناء ومع الإبرة الصاعقة التي تعطى للحامل عند الولادة لتخدر طرفها السفلي ريثما يتم توليدها، تجد طريقة جديدة متبعة في الأعوام الأخيرة لا سيما مع سنوات "الربيع العربي"، تروج لأمر خطير، إنه إعلام "التكهن"، الذي يستمع له الناس على أنه نوع من الفضول، إلا أنه في الحقيقة إعلام مدروس يؤثر في العقل الباطن للإنسان، ويجعل العوام يرددون كلام "توقعات المنجمين لبداية العام" كالببغاء لينتشر الهدف من هذا الإعلام، إنه الإعلام الذي يصدر للأفكار التي يرغب بها صاحب النفوذ أو توجيه الدفة باتجاه إرادة الدول الكبرى.
المنجمون العرب الذين اشتهروا على مدار الأعوام الأخيرة رددوا على القنوات الفضائيات، فكرة "بقاء الأسد بدعم روسي إيراني عراقي"، وهي رسالة سياسية مبطنة بأن الحل السياسي سيفضي ببقاء الأسد وبوجود النظام، الأمر الذي يؤثر في اللاشعور لدى الإنسان السوري بأن وجود الأسد هو أمر حتمي لا مفر منه.
يعتبر الكثيرون أن فكرة التنجيم أقرب للشعوذة ودليل عن قلة الوعي والثقافة، إلا أن أكثر من 70 بالمائة من الشعوب العربية تتفاعل وهذه التوقعات، وتؤثر عليها سلباً أو إيجاباً بفعل علم الطاقة والعقل اللاواعي، التكهن الذي يحرك بعجلة العقول باتجاه السياسات المفروضة والمقررة من قبل المجتمع الدولي.
وأكبر دليل على ذلك تزامن الخدعة الروسية التركية لفصائل المعارضة بوثيقة مغايرة عن وثيقة النظام، مع عرض شاشات التلفاز لتوقعات المنجمين ببقاء الأسد، وعودة العلاقات بينه وبين الأنظمة العربية، الأمر الذي يحمل رسالة في المرتبة الأولى لقادة الفصائل المعارضة بأن الشعب السوري سيبرمج بما يتلاءم مع المرحلة المقبلة، والأخيرة بدورها ستضغط باتجاه الحل الذي تروج له الجهة الأقوى إعلامياً ودولياً، ولا نستطيع أن ننكر أن النظام السوري هو المالك للإعلام الأقوى في هذه المرحلة من خلال حلفائه دون منازع.
لا شك أنّ عمليات التشكيك بالقيادات السياسية التوافقية المعارضة التي لاقت قبول الرأي العام السوري، هو أسلوب مخابراتيّ هدفه التشويش و إسقاط كل القيادات المعتدلة وغير المتطرفة القادرة على قيادة المرحلة الانتقالية وإعادة بناء سوريا على أساس ديمقراطي خال من تجارة الدماء والاستبداد والعسكرة والأجهزة الأمنية مسلوبة الإرادة والتابعة للإرادة الخارجية التي لا تتقاطع مصالحها مع مصالح ومتطلبات الحراك الشعبي السوري.
لذا ملحوظ لدى متابع الواقع والإعلام أنّ المافيا السياسية وتجار الدم والسلاح والمخدرات يفلّتون صبيانهم المأجورين في مرحلة صناعة الحل السوري للتشهير بهذا وذلك، وإيقاع الثورة بهذه المرحلة الحرجة في مصيدة الاستنزاف الداخلي لصالح الروس والنظام، وما يبدوا أنّ استراتيجيتهم هؤلاء الصبية هي الشكيك بالقيادات المشهود لها بالاعتدال والالتزام والقدرة على انتزاع حق الثورة وإرادة الحراك دون تفريق أو تمييز أو اعتداء، وبذات الوقت يسعون لتعويم قيادات غير مقبولة شعبياً ولا يمكن أن تتقاطع مصالحها إلّا مع إرادة النظام السوري وأجهزته الأمنية المدجنة ومسلوبة الإرادة والتي يتحكم فيها كل زناة الأرض إلّا السوريين!.
فدعوة هؤلاء الصبية المأجورين لصالح تجار السلاح والدم والقرار السوري، إلى ضرورة وصد الأبواب في وجه ما يصفونه تعنت الفريق التفاوضي لهيئة التفاوض العليا ، بحجة أن مفاتيح الحل اليوم أمست بيد الدب الروسي ولا بدّ أن نغيّر فريق المعارضة بما يتفق مع إرادة الروس كقائد عسكري أثبت وجوده في المشرق العربي!.
متناسياً هذا السياسي الفذ أنّ الدب الروسي ورغم قوته وسلطانه العسكري لا يمكنه تحقيق الاستقرار إلّا بتنفيذ إرادة السوريين وتطلعاتهم، وإنّ ما يصفونه بتعنّت الفريق التفاوض هو ليس بتعنّت، ولكن هذا الإصرار السياسي للفريق التفاوضي على ثوابت الثورة "قسم" لا يمكن الحنث فيه و أمر لا يمكن تجاهله أو الالتفاف عليه لأنّ شرعية حجاب وفريقه التفاوضي متعلّق وجوده بمدى نجاحه في المحافظة على ثوابت الحراك وعدم المتاجرة بها، لأنّه لا يملك حق التنازل عنها، خاصة وأنّ مثل هذه الخطوة لن تزيد الواقع إلا دماء ومماطلة لا يعرف حدّ لها.
لكن ما يبدوا أنّ الرصاص الروسي والطيران الحربي استطاع أن يفقد بعض المتثورنين ثقتهم بإرادة السوريين كشعب مقهور دفع الفاتورة من دمه وأولاده وكل ما يملك، والغريب أنّهم يستخسرون عليه أن يقبض الثمن، بل يريدون تحويله من شارٍ للحرية والديمقراطية والحياة الكريمة، لمجرد ورقة ضغط يتجاذبها السياسيون لتحقيق مصالحهم الشخصية المغمّسة بدماء الأطفال وقهر الرجال.
على السوريين أن يدركوا بأنّ النصر صبر ساعة وأنّ الأطراف الأخرى تابعة لإرادة السوريين وليس العكس، ولولا أنّها فقدت صبرها وتزعزع كيانها وفقدت صوابها لما أقدمت على التفاوض، وعلينا أن نؤمن ونيقن بأنّ الروس يحتاجوننا ولا نحتاجهم، وأننا الأساس وهم التابع، وغايتهم التفرد بالأشخاص وهدمهم للفريق ومفاوضة أنفسهم بانتقاء أدعدائهم!، فحجاب ليس هو المستهدف بل الثوابت والفريق الذي يقوده باحترافية. وأخيراً وباختصار، هناك حقيقة واحدة لا يمكن لأحد التشكيك فيها، وهي أنّ الكل يسقط ويبقى الشعب والجميع متغيرات ثانوية في حضرة صاحب الأرض.
لا يملك المرء أمام حالة الدمار التي وصلت إليها سورية سوى الوقوف برهة، والتأمل في مآلات الثورة، متنقلاً بين محطاتها وتعرّجاتها وانتكاساتها ومآسيها. وهي الثورة التي أعادت تعريف موازين القوى في المنطقة وخارجها، ليس لصالح السوريين للأسف، وإنما على حساب حريتهم وأرواحهم وديارهم. وهو الأمر الذي تلمحه في الاتفاقات الثلاثة التي تم توقيعها أخيراً (اتفاق وقف إطلاق النار، واتفاق مراقبة خروق الهدنة، واتفاق المفاوضات السياسية أو اتفاق أنقرة كما بات يُسمّي) بين الروس ممثلين عن النظام السوري، والأتراك ممثلين عن الفصائل السورية.
وبمعنى من المعاني، سوف تنتهي الثورة إلى حالةٍ تفاوضية بين طرفين لم يكونا يوماً في حسابات من أطلقوها. فمن كان يتخيّل يوم أن بدأت الثورة أواخر فبراير/شباط 2011، بشعارات الحرية والكرامة التي رسمها أطفال درعا على جدران مدارسهم قبل أن تنطلق رسميا منتصف مارس/ آذار التالي، أن يصبح مصيرها معلّقاً على أبواب الكرملين والقصر الرئاسي في منطقة بشتبيه في أنقرة؟ ومن كان يعتقد أن يقبل السوريون بتركيا التي كانت، عقوداً، جارة غير مرغوبة فيها، إن لم تكن عدوّة، بسبب استيلائها علي لواء الاسكندرون الذي كان تابعاً لولاية حلب ضمن سورية العثمانية في ثلاثينيات القرن الماضي، أن يقبلوا بها ملجأ أخيراً لهم إنسانياً وسياسياً، والمفاوض باسمهم ضد نظام بلدهم؟ ومن كان يتخيّل، من شباب الثورة وحركاتها، أن تكون روسيا التي تبعد عنهم آلاف الأميال هي التي سوف تحدّد مصير ثورتهم ومستقبلهم؟ إنه مكر التاريخ الذي لم يترك شيئاً على حاله.
لا يختلف حال السوريين كثيراً عن حال بلدانٍ كثيرة عاشت تحت وطأة أنظمةٍ عفنةٍ سياسياً وساقطة أخلاقياً، لا تعبأ بالكثير بالتفريط في سيادتها وأرضها وقرارها، من أجل البقاء في السلطة بأي ثمن. لا يهم، هنا، أن يكون المحتل فرنسياً أو بريطانيا أو روسياً، وإنما الأهم هو السلطة، ولو كانت لعائلة أو طائفة، والسيادة ولو كانت ناقصةً ومنتهكة. سوف يضع التاريخ بشار الأسد وعائلته ضمن الإطار الذي وُضعت فيها عائلاتٌ وطوائفُ كان الأجنبي أقرب لها من بني جلده ووطنه، كما كانت الحال مع عائلات وطوائف وجماعات عملت لصالح الاحتلالين، الفرنسي والبريطاني، مطلع القرن العشرين في سورية ولبنان ومصر وغيرها. وهي حال قرأنا عنها ولم نعشها، حتى جاء اليوم الذي نرى فيه حكوماتٍ وأنظمةً تذبح شعوبها، وتفرّط في سيادتها، وتغتال أطفالها من أجل السلطة.
جرى التفاوض بين الروس والأتراك حول مصير الثورة، وتوصلا إلى اتفاق هشّ للهدنة، كغيره من الاتفاقات السابقة التي لم يلتزم فيها الأسد ولا بوتين بالتوقف عن ذبح السوريين. وجرى الاتفاق بينهما، بينما العرب غائبون عن المشهد، وكأن سورية لم تعد عربية، بعد أن مزقتها الصراعات السياسية والطائفية. في حين ينظر الإيرانيون والأميركيون بحذرٍ إلى "اتفاق أنقرة" المفترض أن يمهد الأجواء إلى الجولة الأولى من المفاوضات في العاصمة الكازاخية، أستانة، أواخر يناير/كانون الثاني الجاري. في وقتٍ يبدو أن قوى المعارضة استسلمت للأمر الواقع، بعد الخسارة الموجعة في حلب التي سقطت في أيدي النظام قبل أسبوعين. وحسب وثيقة الحل السياسي أو التفاوض، فإن على فصائل المعارضة تشكيل وفد للتفاوض بحلول منتصف يناير الجاري. وهو أمر تبدو فيه شكوك كثيرة في ظل حالة الانقسام التي تبدو عليها المعارضة السورية، والتي كانت سبباً فيما آلت إليه أوضاع الثورة. وهي المعارضة التي تبدو شكوكها أصلاً في جدوى التفاوض، وأن بقية الأطراف سوف تلتزم به، في ظل عدم وجود ضمانات حقيقية، خصوصاً من جانب نظام الأسد لتنفيذ أي قراراتٍ قد يتم التوصل إليها بعد انتهاء المفاوضات. وقطعاً، لن يكون التفاوض في صالح هذه الفصائل، بقدر ما سيكون للطرف الآخر في المعادلة، وهو الأسد، ومن خلفه روسيا وإيران.
ينظر المرء إلى الخلف، ويسأل: إذا كان مآل الثورة السورية قد انتهى، ليصبح مجرد لعبة سياسية على رقعة شطرنج إقليمية ودولية، فهل كانت تستحق كل هذا الثمن والأرواح التي دُفعت لأجلها؟ صحيحٌ أن أي صراع سياسي لابد وأن ينتهي بالتفاوض. ولكن، بشرط أن تكون الأطراف المتفاوضة على قدم المساواة نفسه، أو على الأقل قريبة منها، بحيث لا يطغى طرفٌ على آخر، وهو أمر غير متحقق في الحالة السورية التي تبدو فيها قوى المعارضة على درجة كبيرة من التفكّك واليأس وعدم الانسجام. حتى وإن افترضنا أن اتفاق الحل النهائي سوف يتم تحت سقف بيان جنيف 1، والذي يشترط رحيل بشار الأسد من السلطة، وعدم وجود أي دور مستقبلي له، فإن الأسد، بعد معركة حلب وخسائرها، لن يقبل بهذا الشرط، مهما كان الثمن.
ويظل العائق الرئيسي في كيف يمكن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه، فضلاً عن تحديد إطاره الزمني. وهو أمر قد يبدو الآن ثانوياً، لكنه أحد المطالب الرئيسية لقوى المعارضة، في حين لا تهتم به روسيا أو تركيا، لانشغالهما بملفات أخرى.
سيجري التفاوض، إذا، على ما تبقّى في سورية من أطلال، بعد أن حوّلها الأسد وحلفاؤه الإيرانيون والروس وغيرهم إلى كومةٍ من التراب الذي لو نطق للعن كل من أراق دماء الأبرياء فوقه.
بعد أكثر من خمسة أعوام من معاداة الشعب السوري، وقتل نسائه وأطفاله وشيوخه ورجاله، وتدمير مدنه وقراه، والدعم الكامل لنظام الاستبداد دبلوماسياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً، تخرج علينا طغمة فلاديمير بوتين الحاكمة في موسكو بلعبةٍ جديدةٍ، وبلبوس الحمل الوديع، وسيط سلام وراعي اتفاقياتٍ، أغلب الظن أنها تمضي في مخطط تصفية الثورة السورية، وتشتيت شمل الثوار والمعارضين وتحقيق ذلك سلماً، بعد عجزها عن تحقيقه حرباً عاماً، وهي، بكل لفها ودورانها، تبحث عن ضمان مصالحها، وتعزيز نفوذها وترويج أسلحتها. ولو كانت هذه الطغمة ذات نية صافية، وترغب في تصحيح مواقفها بهذه السرعة القياسية، لأعلنت اعتذارها للسوريين ولذوي الشهداء، واستعدت لدفع التعويضات عن الخراب والدمار، ولدانت نظام الاستبداد، وطالبت بطرد القوات الإيرانية ومليشيات حزب الله والعراقية، وقبل هذا وذاك سحب قواتها الغازية المحتلة.
تفسيرنا لوقف إطلاق النار (إن تم التنفيذ) هو توقف نظام الاستبداد والعدوين المحتلين، إيران وروسيا، والمليشيات الطائفية، عن قصف السوريين وتقتيلهم وتدميرهم بلادهم، وهو أمر مطلوب بإلحاح. أما التسرّع الروسي بفرض تسويةٍ سياسيةٍ مع فصائل مسلحة، كانت "إرهابية" حتى الأمس القريب بنظر موسكو، وبتزكية وضمانة تركيتين، في معزلٍ عن إرادة السوريين، ومن دون متسعٍ من الوقت لإجراء المراجعة وترتيب البيت الداخلي، وإعادة إنتاج من يعبّر شرعياً عن مطامح الشعب، ومنتخب منه في الأطر المعروفة. وفي استحضار الجانب المصري، وقوى وعناصر قريبة من النظام، ما يثير الارتياب. ويبدو أن طغمة بوتين تستعجل الخطى، مستغلة الوقت الأميركي الضائع، وإخفاق المعارضة السورية، وغياب النظام العربي الرسمي، لتثبت أقدامها في سورية المدمرة التي لن تكون إلا مقبرةً لجميع الغزاة. وعلى الأغلب، فإن الطريقة الروسية هذه لن تحقق السلام في بلادنا.
ما يجري في سورية صراع سياسي بالأساس بين الشعب، بأغلبيته الساحقة، من أجل الحرية والكرامة والتغيير الديموقراطي في سورية التعدّدية الجديدة من جهة، ونظام الاستبداد المتشبث بالسلطة من الجانب الآخر. أما بعد تطورات أكثر من خمسة أعوام، وظهور عوامل جديدة، وتدخلات مليشياوية مذهبية، واحتلالات عسكرية أجنبية إيرانية وروسية لمصلحة النظام، أدّت إلى اختلالٍ في موازين القوى، وانحسار مجال الفصائل المسلحة المحسوبة على الثورة والمعارضة، فإن من الخطورة بمكان معالجة التراجع الحاصل بالمنطق العسكري، وتحت عنوانٍ مزعوم باسم الجيش الحر، في معزلٍ عن الجانب السياسي، وبغفلةٍ من الحراك الثوري، والكتلة الوطنية المستقلة الغالبة. وبكلمة أوضح الاستمرار بالمنطق السابق بتنفيذ كل فصيل على حدة توجهات النظام الإقليمي الرسمي الداعم الذي أدّى إلى الهزيمة العسكرية. لذلك على كل فصيل يؤمن بالثورة تسليم أمره للقرار السياسي الشرعي في إطار المؤتمر الوطني المنشود الذي يعتزم عقده الوطنيون السوريون، بكل أطيافهم، من مدنيين وعسكريين في الجيش الحر.
بعد هزائمها العسكرية، بمختلف أسمائها وإماراتها ومرجعياتها الشرعية، في معظم المناطق السورية، ومن ضمنها جماعات من صنع "الإخوان المسلمين" الذين أبعدوا نشطاء الجيش الحر، وفرضوا عليه الحصار المالي والسياسي، تعود فصائل "الإسلام السياسي" الآن إلى التغطّي باسم هذا الجيش الذي ما زال يحظى باحترام الوطنيين السوريين، وكأن شيئاً لم يكن، ومن دون أية مراجعة أو مصارحة أمام الشعب السوري الذي لن يأبه أبداً بكل هذه الأضاليل، بل ينتظر اجتماع كل من يؤمن بمواجهة الاستبداد، واستمرارية النضال بكل الأشكال المتاحة، في إطار المؤتمر الوطني الشامل لوضع البرنامج السياسي المتوافق عليه، وانتخاب مجلس سياسي – عسكري لإدارة العمل الكفاحي المشترك.
أمام التزاحم المنقطع النظير في صفوف "البازار" الروسي – التركي – الإيراني للحوار مع نظام الاستبداد الأسدي الذي ما زال في نشوة انتصاره المزعوم في تدمير حلب، وإبادة أهلها، فإن الأحزاب الكردية في المجلسين، وكما كنا نتوقع منذ خمسة أعوام (وبدون أن نظلم أحداً) تتصدّر صفوف التهافت، فجماعات حزب العمال الكردستاني نفذت شروط النظام، حتى بتبديل شعاراته التي ضللت بها الناس أعواماً، لتحظى بشرف المشاركة. أما جماعة المجلس الوطني الكردي فليست ضد الحوار مع النظام من حيث المبدأ، ولم ترفضه، بل تبحث عن ظرفٍ أفضل، يؤهلها لتولي موقع تمثيلي ما، إضافة إلى انتظار مشاركة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.
بعيداً عن السؤال المركزي بشأن فرص نجاح الاتفاق الروسي/ التركي حول وقف إطلاق النار في سورية، والذي تجاهل إيران، والسؤال الآخر الأهم بشأن نجاح فرص التفاهم الروسي/ التركي/ الإيراني الذي تجاهل واشنطن والاتحاد الأوروبي والرياض والدوحة، نجد أنفسنا أمام حدثٍ جديدٍ ومباغت، لم يكن أحد يفكّر فيه قبل "ملحمة حلب الكبرى" التي كان هدفها تحرير حلب من الروس والنظام والإيرانيين، فإذا بالمحرّرين يتحوّلون إلى محاورين للروس والإيرانيين والنظام بشأن وقف إطلاق النار، يستعيد محاولة فبراير/ شباط الماضي الفاشلة التي توافقت الدول الكبرى والإقليمية والعربية مع الطرفين السوريين المتحاربين، وعبرت عن توافقها عليها من خلال قرار مجلس الأمن 2254، من دون أن توفر له الزخم الكافي، فهل الاتفاق الجديد الذي تقف وراءه روسيا ضامن النظام، وتركيا ضامن الفصائل، سيتكفل بوقف الحرب، على الرغم من إبعاد إيران والنظام عن مداولات أنقرة، وإشراف الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان اليومي عليها، وإبقاء أو بقاء الولايات المتحدة بعيدة أو مستبعدة عنها، وكذلك اوروبا والمملكة العربية السعودية ودولة قطر؟
تنبع أهمية الاتفاق الصغرى من بنوده المتفق عليها، والكبرى من تبدّلات مواقف الدول المنخرطة في الصراع السوري، بعد نجاح روسيا في إقامة وضعٍ تعتقد أنه يتيح لها التحكّم بحسابات (ومصالح) الأطراف التي تخوض حرباً مباشرة في الساحة السورية، وهي روسيا وإيران وتركيا والنظام والفصائل المعارضة، وتنظيمات مرتزقة طهران.
روسيا: وضعت نفسها في موقع يتيح لها الإمساك بخيوط المتحاربين مباشرة، أو من خلال تركيا، بما في ذلك خيوط الفصائل المعارضة التي تحولت من مقاتلة روسيا إلى مفاوضتها، ومن المراهنة على إخراجها من سورية بالقوة إلى القبول بها حاكماً على الشأن السوري، تتعامل معه باعتباره طرفاً تأمل أن يمكّنها من بلوغ بعض أهدافها المعادية للأسد وإيران. وقد أجرت موسكو تبدلاً مهما في موقفها، بعد عام اعتبرت فيه كل مقاتل ضد النظام إرهابياً، وها هي تتفاوض معها على مستقبل هذا النظام وسورية، بصفتها طرفاً عسكرياً، وسياسياً لديه شرعية تمثيلية في نظر الروس، بينما سيرى هؤلاء منذ اليوم في الأسد مجرد طرف سوري آخر، لم يعد الممثل الشرعي الوحيد والمعترف به للدولة السورية! تعتمد روسيا في نجاحها ضد مقاومة إيران مشروعها على تكامل موقفها مع موقف الرئيس الأميركي المرتقب، دونالد ترامب، المرجح، والذي سيمكّن موسكو من تسويق نفسها منقذاً للملالي الإيرانيين من بطش أميركا التي لن تبقي لهم اي موقع في المشرق، ومن مصلحتهم قبول ما يبقيه الكرملين من دور ومكانة سورية لهم، وإلا انحاز إلى ترامب وأخرجهم، بالتعاون معه، من سورية وبقية محافظاتهم العربية، وتركهم لمصيرهم المحتوم، بعد نقل معركتهم الخارجية إلى داخل إيران.
إيران: هي الطرف الرئيس الذي لا يريد حلاً سياسيا في سورية، ناهيك عن حلٍّ يتم بين النظام والمعارضة وفق وثيقة جنيف والضمانات الدولية، الروسية وغير الروسية. تدرك إيران أن اي اتفاقٍ لوقف إطلاق النار يعني منعها من توسيع دورها في حربٍ أرادت لها أن تتواصل بعد "انتصارها "في حلب، وكبح خطتها الرامية إلى القضاء على الثورة، من خلال انتصارٍ ساحق على فصائل المعارضة. بكلمات أخرى: سيكون أي اتفاق ينهي الصراع السوري بحل متوازن ضربةً لطهران التي يستحيل، في حال نجاحه، أن تحافظ على حضورها ونفوذها الراهنين في سورية، والعلاقة التي تربط النظام بها، وأن تحول دون قيام نظامٍ لا يرتبط بها أو يتبع لها، أو يمثل جزءاً تكوينياً من منظومتها التوسعية المنتشرة في المشرق العربي، التي جعلت بعض قادتها يتحدّثون عن سورية، بصفتها المحافظة الإيرانية الخامسة والثلاثين. لهذا كله، يُرجح أن تضع إيران جميع أنواع العراقيل في وجه الاتفاق، وأن تستميت لإفشاله، بالتعاون مع النظام الذي يرفضه ويخشاه أيضا، ما دام تحقيقه يحبط حله العسكري، باعتباره الحل السياسي الوحيد الذي يقبله، بينما يفتح الحل الباب أمام قيام نظام انتقالي هو نهاية أسدية حافظ الأسد التي ذبح ابنه ثلاثة أرباع السوريات والسوريين من أجل المحافظة عليها. وعليه، من الآن فصاعدا، إلقاء نظرة وداع عليها، وعلى نفسه ورئاسته.
تركيا: بدأت تركيا تحصد النتائج الإيجابية لانعطافتها نحو موسكو، وتنسيقها معها في الشأن السوري. ولعل أولى الثمار التي ستجنيها تتمثل في الاتفاق مع جارها الشمالي على إحباط أي مسعىً لفدرلة الدولة السورية، أي لإقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية، وفي حصول أنقرة على دعم روسي لحربها ضد "داعش"، ولمنطقتها الآمنة، كما قرّرت إقامتها شمال سورية. بينما أثبتت أنها صاحبة الكلمة والتأثير الأكبر على جميع فصائل المعارضة المسلحة التي أخذت تمارس، بعد حلب، تنسيقاً مفتوحا معها، قرّر الذهاب معها إلى نهاية الشوط في كل ما يتعلق بتفاهماتها السورية مع الروس. أخيراً، نجح الرئيس أردوغان، ليس فقط في إخراج مفاعيل المعضلة السورية المدمرة من داخل بلاده، وشرع يلعب دوراً مقرّراً في سورية والعراق، بل وأبعد كذلك روسيا عن إيران، وإنْ بصورة نسبية، وتحول إلى شريكٍ قوي لها في أي جهد يتصل بحل الصراع، بما في ذلك العربي والإقليمي منه، وفتح الباب أمام مشروع استراتيجي يجمعهما، يرجح أن يعين صورة المشرق الجديد، ويضمن دعم أنقرة ضد ضغوط أميركا، من دون إفقادها خيار التفاهم مع واشنطن، في زمن لا بد آتٍ.
الفصائل: لعل التطور الأهم سيتجلى، من الآن فصاعداً، في التبدّل الذي أصاب أداور سياسيي الائتلاف لقوى الثورة والمعارضة السورية والهيئة العليا للتفاوض وعسكر الفصائل. بعد أن كان الساسة الطرف الذي افترض دوما أنه هو الذي سيفاوض وينجز الاتفاق على الحل، صار العسكر هم هذا الطرف الذي تفاوض مع الروس، واتخذ القرارات بمفرده، بينما وقف الساسة جانباً. ومن المرجح أن يتحولوا إلى جهةٍ مساعدة أو رديفة، لم تشارك في اتفاق الهدنة، وقد لا تشارك في مفاوضات الحل في حال استمر موقف موسكو السلبي حيال الهيئة العليا للتفاوض. هل يعني هذا أن من سيلعب الدور الأكبر في تقرير شكل النظام الانتقالي هو العسكر، وأنهم يمكن أن يتحولوا إلى طرف سيتولى إنجاز الانتقال، وتولي المسؤوليات في مؤسساته وعنها؟ يرجع هذا التحول إلى هامشية دور "الائتلاف"، وأداء هيئة التفاوض الذي يعتبره العالم، بالحق أو بالباطل، متشدّدا، ويرفض التفاوض من دون التسليم بحتمية تحقيق قراءته لوثيقة جنيف والقرارات الدولية الملحقة بها، وهذا ما قوّض فرص التفاوض والتسويات المحتملة التي تمليها التوازنات المحلية، والمصالح العربية والإقليمية، والصراعات الدولية. هل سيتطور دور الفصائل، ليغطي المسألة السياسية برمتها، بعد أن أنجزت اتفاقاً حول وقف إطلاق النار من دون تدخل "الائتلاف" والهيئة؟ هذا ما أرجحه، على الرغم مما يعلن عن تعاون بين العسكر والساسة في المفاوضات المقبلة.
روسيا جادة في جني ثمار عدوانها على سورية، وستفعل كل ما هو ضروري لإرغام الجميع على قبول خطتها لوقف إطلاق النار، ليس لانها حريصة على السوريين، دولةً ومجتمعا، بل لأن نجاحها هو الذي يضمن بقاءها في سورية قاعدة لها، يمكنها الانتشار منها إلى المنطقة، ومن المنطقة الى بلدان كثيرة، وهو الذي يخرجها من واقعٍ شديد الهشاشة، ستغرق فيه أكثر فأكثر، إذا واصلت حربها المفتوحة ضد الشعب السوري التي تحمل علاماتٍ على أن جيشها ليس حصيناً ضد استنزاف أشد بكثير مما تعرّضت له في أفغانستان.
ويبقى السؤال: هل يفتح وقف إطلاق النار الشامل طريق الحل السياسي، أم يكون هو الوضع المنشود الذي تهدّد استمراره خلافات الروس والإيرانيين والأتراك، ومواقف واشنطن وبروكسل والرياض والدوحة.