الشرع: الخلافات المذهبية ممتدة عبر التاريخ ولسنا في حالة رفاهية لخلافات تُشتّت السوريين
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية مفتوحة عُقدت في دمشق ضمن أعمال مؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي أن سوريا قطعت مرحلة تأسيسية كبيرة خلال العام الماضي، مشيراً إلى أن الدولة واجهت تراكمات فساد إداري وتنظيمي امتدت لأكثر من ستين عاماً إضافة إلى دمار واسع خلّفته أربعة عشر عاماً من الثورة، ما فرض تحديات مركبة على المستويات الأمنية والاقتصادية والخدمية والاجتماعية.
وجاءت تصريحات الشرع في المؤتمر الذي ضم أكثر من 1500 عالم وقيادة دينية، حيث استُقبل الرئيس بهتافات التكبير والترحيب، قبل أن يفتتح حديثه بالقول إن تقييم السنة الماضية لا ينبغي أن يصدر عنه شخصياً، بل من الشعب والمراقبين لأداء الحكومة، موضحاً أن أي تقييم ذاتي قد يُفهم على أنه مدح للنفس أو ذم لها دون قصد.
تراكم الفساد ودمار الحرب
وضح الشرع صورة الواقع الذي وصفه بأنه نتاج تراكمات طويلة من الفساد الإداري والتنظيمي خلال ستة عقود، إلى جانب الأضرار الهائلة التي لحقت بالبنية التحتية خلال أربعة عشر عاماً، مشيراً إلى أن الإحصاءات شبه الدقيقة المتوفرة حتى الآن تشير إلى وجود نحو مليون ومئتي ألف منزل مهدّم كلياً أو جزئياً أو متوسط الضرر، ما يعني أن قرابة ثمانية ملايين إنسان باتوا معرضين لعدم امتلاك مسكن في الوقت الراهن.
وأوضح أن سوريا عانت أيضاً من عزلة امتدت خمسين عاماً وتفاقمت خلال السنوات الأربع عشرة الماضية بفعل تراكم العقوبات، إضافة إلى استمرار وجود مخيمات في الداخل وبقاء أعداد كبيرة من المهجرين في الخارج.
ولفت إلى أن قطاع الخدمات شبه مدمر، والقطاع المصرفي متضرر بشدة، وقطاع الطاقة يعاني، إلى جانب غلاء الأسعار وانخفاض سعر الصرف وتدهور الحالة الاقتصادية، فضلاً عن طرد حالة الاستثمار من البلاد. كما أشار إلى أن العدالة كانت مجزأة ومفككة وشابها كثير من الرشوة والفساد.
ضبط السلاح وتوحيد المؤسسات
وبيّن الرئيس أن التحدي الأول عند الوصول إلى دمشق تمثل في ضبط الشارع الثوري، ولا سيما الفصائل الثورية، وجمعها على كلمة واحدة تتجه نحو ضبط السلاح والتركيز على بناء جيش موحد بعيداً عن اللغة الفصائلية، معتبراً أن هذه الخطوة واجهت صعوبات بسبب الخلافات البينية التي نشأت خلال سنوات الثورة.
وأشار إلى أن من بين التحديات أيضاً إعادة دمج المجتمع بعد أربعة عشر عاماً من الانقسامات الفكرية والتوجهات المتباينة، وإعادة وصل سوريا بمحيطها الإقليمي والدولي، إضافة إلى مواجهة دعوات التقسيم والحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتمكين الدولة من مواردها، وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين، ولا سيما من بعض مناطق شمال شرق سوريا.
وأكد الشرع أن العمل خلال العام الماضي كان جاداً وأفضى إلى نتائج كبيرة بحسب تقييم المراقبين والمحللين، الذين رأوا أن المسار كان سريعاً، غير أن هذه السرعة رفعت سقف طموحات الناس، ما أدى إلى مطالبات متزايدة بتحقيق نتائج فورية في مختلف القطاعات، رغم أن بعض الملفات تحتاج إلى نمو طبيعي وتدرج، خاصة في المجالات الخدمية التي تمس الحياة اليومية مباشرة.
وفي هذا السياق أوضح أنه تم بناء نواة جيش يجري استكمال إعادة تنظيمه، ونواة للقوى الأمنية، وإجراء إصلاحات واسعة في وزارة العدل، إلى جانب تحسين العلاقات الإقليمية والدولية، ووضع خطط استراتيجية لبناء اقتصاد متوازن ومستدام ومتوافق مع المعايير الإقليمية والدولية، وتفعيل برامج مرتبطة بالاستثمار، مع اعترافه بوجود تقصير في إشراك الناس بالبيانات وشرح آليات الإصلاح.
تقييم الأداء ومعايير الحكم
ورداً على سؤال حول مستوى الرضا الشعبي، قال الشرع إن المهم هو الالتزام بالخطة الصحيحة والتركيز على ما ينفع الناس، محذراً من الاغترار بالقبول الشعبي أو الخضوع لعدم الارتياح، لأن الخطة السليمة تقوم على معايير علمية ومنطقية وقانونية. وأكد أن التنمية الاقتصادية ليست مجرد سوق تجاري، بل ترتبط بإصلاح الموارد البشرية والمنظومة التربوية والتعليمية والقضائية، والبنى التحتية من اتصالات وكهرباء ومياه وطرقات وموانئ ومعابر ومطارات.
وأضاف أن الدولة يجب أن تبذل وسعها في شرح خطواتها للناس لتحقيق التوافق، دون اللجوء إلى المبالغة لإرضاء الجمهور أو الاستسلام للمديح بما يقود إلى التكاسل، معتبراً أن العمل واجب على كل مسؤول وأن مخافة الله ينبغي أن تكون حاضرة في أداء المسؤوليات، بصرف النظر عن المدح أو الذم.
وعن سؤال حول ما إذا كان المستقبل الأفضل بات أقرب، أكد أن البيانات المتوفرة لديه تشير إلى وجود تأسيس كبير تحقق خلال العام الماضي، مع ترك التقييم للمراقبين وفق معايير علمية دقيقة بعيداً عن الانطباعات.
ميثاق الخطاب الإسلامي ووحدة الكلمة
وفي ما يتعلق بمؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي والميثاق المنبثق عنه، قال الشرع إن توجيه الرأي العام والسلوكيات المجتمعية مسؤولية تشترك فيها قطاعات عدة، من التربية والتعليم إلى المنابر الدعوية، معتبراً أن توحيد الخطاب الإسلامي في إطار ميثاق يأخذ في الاعتبار اختلاف المدارس هو خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنها تحد من تشتيت العامة في خلافات جزئية وتفصيلية.
قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن توحيد الخطاب الإسلامي يتجه نحو وحدة الكلمة وعدم تشتيت العامة في خلافات جزئية وتفصيلية، موضحاً أن بعض الخلافات “مسيرتها مع الزمن ومع مرّ التاريخ” ولا يمكن إنهاؤها بل إدارتها بما يمنع التنافر والتباغض، وشدد على أنه “وخاصة أن في سوريا لدينا أولويات كثيرة جداً… فلسنا في حالة رفاهية للخلافات الفكرية والأيديولوجية التي تسبب نوعاً من النفرة والخلاف”.
وأكد أن المذاهب التي وردت في الوثيقة عُرفت عبر القرون ولا تزال قائمة، وأن وجود العلماء والفقهاء في سوريا برصيدهم الأخلاقي والمعرفي يشكل ضمانة، معتبراً أن طبيعة السوريين تميل إلى السلم والحلول أكثر من الاختلاف.
وعن أثر هذه الخطوة في الهوية الوطنية والمصالحة والاستقرار، شدد على أن المبادئ التي تضمنها الميثاق تراعي تنوع المجتمع السوري وتبتعد عن التحريض وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية، ما يسهم في تقليل التنافر ضمن التنوع القائم.
رسالة إلى العلماء وتكامل المؤسسات
وفي رسالته إلى العلماء، قال الشرع إنه يتلقى النصائح منهم، معتبراً أن المنبر أمانة والكلمة تحتاج إلى ضوابط أخلاقية، مستشهداً بمفهوم “عدالة الكلمة” وضرورة التروي في البحث عن الحقائق، وضارباً مثالاً بقصة قرآنية تشير إلى ضرورة الاستماع إلى جميع الأطراف.
وأشار إلى أن بعض الخطباء في زمن النظام البائد كانوا يناكفون السلطة ويحصلون على إقبال جماهيري، محذراً من الاستمرار على نفس النهج بعد تغير الظروف، ومؤكداً أن عقول الناس أمانة وأن المنبر يمثل موقعاً حساساً يتطلب دراية بواقع الناس، والتمييز بين توجيه السلطة في الاتجاه الصحيح وبين تحريض العامة.
وأوضح أن مرحلة تأسيس الدولة تتطلب تحديد أولويات في الخطاب الدعوي تصب في صالح البناء، وأن ليس كل حدث يحتاج إلى تعليق، داعياً إلى تكامل الأدوار بين الخطباء والأكاديميين والمدرسين ووسائل الإعلام في إعادة بناء المجتمع ومؤسسات الدولة، مع التأكيد على قدسية المنبر مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعي.
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين السلطة والمنبر الديني، اعتبر أن العمل المؤسساتي والتكامل بين المؤسسات هو الأساس، وأن أياً من الوزارات أو المنابر أو القطاعات لا يمكنه بناء الدولة بمفرده، بل إن كل مؤسسة مطالبة بأداء واجبها وفق تخصصها، بما يفضي إلى تكامل يعيد بناء الدولة بشكل سليم وفق قوانين وأنظمة واضحة.
واختُتمت الجلسة بتوجيه الشكر للرئيس على حضوره ورعايته المؤتمر، فيما دعا الشرع في كلمته الختامية إلى أن يعيد الله شهر رمضان على السوريين بالخير والعافية.