صورة تم إعادة تصميمها بالذكاء الاصطناعي
صورة تم إعادة تصميمها بالذكاء الاصطناعي
● آراء ومقالات ٣ فبراير ٢٠٢٦

موقعة ذات الأصابع : حين دخلت الدولة شمال شرق سوريا وبقيت السبّابة في قفص الاتهام

بعد عقدٍ من الزمن، قد لا تُستعاد لحظة دخول مؤسسات الدولة السورية إلى مناطق كانت خاضعة لسيطرة “قسد” في الحسكة وعين العرب والقامشلي بوصفها محطة سياسية أو أمنية مفصلية، بل ربما تُدرَّس، على سبيل السخرية السوداء، تحت عنوان جديد أكثر بساطة وإثارة: “موقعة ذات الأصابع”.

ففي تلك الأيام التي عادت فيها الدولة إلى الجغرافيا، انشغل بعض إعلام “قسد” بما اعتبره الخطر الداهم، لا في البنود ولا في الخرائط ولا في مستقبل الاتفاق، بل في حركة يدٍ عابرة، وسبّابةٍ رُفعت في الهواء.

المفارقة أن عناصر الأمن الداخلي الذين دخلوا إلى تلك المناطق لم يرفعوا راية حرب ولا بيان تهديد، بل رفع بعضهم إصبع السبابة، في إشارة فسّرها أصحابها ببساطة دينية مألوفة، لكن إعلام “قسد” قرر التعامل معها كما لو أنها اختراع أيديولوجي جديد، أو رسالة مشفّرة تهدد السلم الأهلي. وهنا بدأت المعركة: سبّابة في مواجهة كاميرا، وسؤال متوتر يبحث عن فتنة أكثر مما يبحث عن معنى.

في الجهة الأخرى، لم يكن المشهد خاليًا من التناقض. فالإعلام المحسوب على “قسد” اعتاد التلويح بعلامة النصر، إصبعين متجاورين، بوصفها رمزًا سياسيًا وثقافيًا لا يُسأل عن خلفياته ولا تُفكك دلالاته. إصبعان مسموح بهما، سبّابة واحدة مشكوك في أمرها، وكأن الأصابع، فجأة، باتت تخضع لتصنيفات أمنية وموافقات مسبقة.

لكن الإصبع الأكثر حضورًا في المشهد لم يكن حاضرًا في التغطيات ولا في التحليلات، وهو الإصبع الأوسط الذي يرفعه غالبية السوريين، معنويًا على الأقل، في وجه كل من يحاول استغلال التفصيل التافه لإشعال فتنة بين مكونات الشعب السوري. هذا الإصبع، غير المعلن، كان موجّهًا لكل خطاب يحاول تحويل حركة جسدية إلى معركة هوية، ولكل من يظن أن الدولة يمكن إرباكها بإيماءة يد.

ومن هنا، وبمنطق السخرية التي تفرضها الوقائع، قد يكون من الأنسب المطالبة بإدراج “حرية رفع الأصابع” ضمن الدستور. من حق المواطن أن يرفع إصبعًا أو إصبعين أو ثلاثة، أن يلوّح بالسبابة أو الوسطى أو الإبهام، دون أن يُستدعى ذلك إلى غرفة الاتهام السياسي أو يُحمّل أكثر مما يحتمل. فحرية التعبير، إن كانت ستُختزل، فلا أقل من أن تشمل اليد وما تنتجه من إشارات، طالما أن النيات لا تُقاس بعدد الأصابع المرفوعة.

إذا أردنا الخروج قليلًا من ساحة السخرية السياسية والدخول بجدية أعمق، فإن عالم الأصابع ليس تفصيلاً هامشيًا في اللغة الإنسانية، بل هو أحد أقدم وأغنى أنظمة التعبير التي استخدمها البشر قبل أن تُصاغ الكلمات وقبل أن تُدوَّن الدساتير. اليد، بأصابعها الخمسة، كانت دومًا لغة قائمة بذاتها، تتغير معانيها بتغير المكان والزمان والثقافة، وتتحول من إشارة بريئة في مجتمع إلى تهديد صريح أو إساءة فادحة في مجتمع آخر.

الإبهام، على سبيل المثال، يُعد من أكثر الأصابع “براءة” في المخيال المعاصر. رفع الإبهام إلى الأعلى بات يعني الموافقة أو الرضا أو الإشادة، من ساحات القتال الرومانية القديمة حيث كان يُستخدم للحكم بالموت أو النجاة، إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي حيث تحوّل إلى زر إعجاب يختصر رأيًا كاملًا بحركة واحدة. لكن الإبهام نفسه، إذا أُدير قليلًا أو استُخدم في سياق مختلف، قد يحمل معنى الاستهزاء أو التقليل من شأن الآخر، ما يؤكد أن الأصبع لا يقول شيئًا بذاته، بل السياق هو المتحدث الحقيقي.

أما الأصابع بوصفها أداة عدّ، فهي لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة. حين يرفع شخص إصبعين أو ثلاثة في مطعم، لا يعلن موقفًا سياسيًا ولا يرسل رسالة عقائدية، بل يطلب عدد الوجبات أو فناجين القهوة. هذه البساطة اليومية تكشف كيف أن الأصابع خُلقت أصلًا لتسهيل التواصل لا لتعقيده، وكيف أن الإنسان استخدمها لتجاوز حدود اللغة المنطوقة حين تعجز الكلمات أو لا تكون ضرورية.

لكن الأصابع لم تبقَ دائمًا في دائرة الحياد. بعض الحركات، مثل تشكيل دائرة بين الإبهام والسبابة على هيئة 👌، تُستخدم في ثقافات كثيرة للدلالة على أن الأمور “تمام”، لكنها في ثقافات أخرى تحولت إلى إشارة مهينة أو حتى تهديد مبطّن. الأمر ذاته ينطبق على حركة 🤌، ضمّ الأصابع إلى بعضها ورفعها، التي يفسرها الإيطالي على أنها سؤال وجودي غاضب، بينما قد تعني في سياق آخر “انتظر”، أو “تمهل”، أو حتى “سأريك لاحقًا”، وهي عبارة تحمل في طياتها وعدًا قد يكون بريئًا أو وعيدًا صريحًا.

وفي المقابل، تطورت حركات أصابع حديثة لا تحمل أي تاريخ دموي أو صراعي، مثل إشارة 🫰 التي ترمز إلى الحب أو الود في الثقافة الشعبية المعاصرة، خصوصًا في شرق آسيا، حيث تحولت الأصابع إلى وسيلة تعبير عاطفي مختصرة، توازي الكلمات الرقيقة دون أن تنطق بها. هذه الحركة نفسها قد لا تُفهم إطلاقًا في ثقافة أخرى، أو تُقرأ بوصفها مجرد حركة غريبة بلا معنى.

وإذا عدنا إلى الإشارات التي أثارت كل هذا الجدل، فإن علامة النصر التي اعتاد عناصر “قسد” رفعها، بإصبعين متجاورين، ليست بدورها اختراعًا محليًا ولا رمزًا بريئًا من التأويل، بل إشارة سياسية استخدمت تاريخيًا في الحروب والاحتجاجات والانتصارات العسكرية، وحملت في كثير من السياقات معنى الغلبة على الخصم.

في المقابل، فإن حركة رفع السبابة التي صدرت عن بعض عناصر الأمن الداخلي لا تنتمي حصرًا إلى سياق ديني إسلامي، وليست محصورة في اشارة خاصة بتنظيم داعش، كما حاول البعض تصويرها، بل هي إيماءة شائعة في ثقافات متعددة، ويستخدمها لاعبو كرة القدم حول العالم عند تسجيل الأهداف، كما تظهر في سياقات روحية وفلسفية مختلفة باعتبارها رمزًا للوحدة، لا بوصفها بيانًا سياسيًا ولا رسالة إقصاء.

بهذا المعنى، يصبح الخلاف بين إصبعين وسبابة خلافًا مصطنعًا، لأن كلا الحركتين خرجتا من قاموس إنساني واسع، قبل أن يُحشرا قسرًا في معركة تأويل ضيقة لا تخدم سوى من يبحث عن فتنة في تفاصيل الجسد لا في جوهر الفعل.

كل ذلك يعيدنا إلى حقيقة أساسية: الأصابع لا تحمل معنى ثابتًا ولا نية مسبقة. هي أدوات تعبير خام، يحمّلها الإنسان ما يشاء من دلالات. في الفكر الإنساني القديم، كانت اليد امتدادًا للفكرة، وفي علم الأنثروبولوجيا الحديث تُعد الإيماءات جزءًا من “اللغة غير المنطوقة” التي تسبق الكلام وتكمله. أما في السياسة، حين تُسحب هذه الإيماءات من سياقها وتُضخّم، فإنها تتحول من وسيلة تواصل إلى مادة اشتباك مفتعل.

من هنا، تبدو السخرية من “موقعة الأصابع” أقل غرابة مما قد تبدو عليه. فالمشكلة لم تكن يومًا في السبابة ولا في غيرها، بل في الإصرار على قراءة الجسد بعين الشك، وتحويل كل حركة إلى مشروع فتنة. وفي بلد أنهكته الصراعات، ربما يكون الدرس الأبسط هو أن نترك للأصابع حريتها الطبيعية: أن تُعدّ، وتُشير، وتُعبّر، دون أن تُستدعى إلى محاكم النوايا.

 

الكاتب: أحمد ابازيد - رئيس تحرير شبكة شام
مشاركة: 
الكلمات الدليلية:

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ