العنف الرقمي يهدد النساء: واقع التحرش الإلكتروني في سوريا
العنف الرقمي يهدد النساء: واقع التحرش الإلكتروني في سوريا
● مجتمع ٥ فبراير ٢٠٢٦

العنف الرقمي يهدد النساء: واقع التحرش الإلكتروني في سوريا

تواجه نساء سوريات أشكالاً متنوّعة من التحرّش الإلكتروني عبر المنصات الرقمية، الأمر الذي ينعكس سلباً على حياتهن المهنية والنفسية والشخصية، ويضعهن أمام تحديات معقّدة، في ظل صعوبة تحديد هويات المتحرّشين ومحاسبتهم، وغياب آليات فاعلة للحد من هذه الانتهاكات.

التحرّش الإلكتروني كأحد أشكال العنف الرقمي
يُعرَّف التحرّش الإلكتروني بأنه سلوك عدائي أو مسيء ذي طابع جنسي أو تهديدي يُمارَس عبر الإنترنت أو المنصات الرقمية، ويشمل إرسال رسائل أو تعليقات غير مرغوب بها، أو ممارسة أفعال تنتهك الخصوصية مثل التشهير والابتزاز ونشر المعلومات أو الصور الشخصية دون موافقة، إضافة إلى التتبّع الرقمي أو انتحال الشخصية بقصد الإضرار بالسمعة أو الضغط على الضحية.

دوافع التحرّش الإلكتروني
يُعزى تصاعد ظاهرة التحرّش الإلكتروني إلى تداخل عوامل اجتماعية وتقنية وقانونية، وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، تقول عائدة المحمد، عاملة دعم نفسي اجتماعي في إحدى المنظمات الإنسانية، إن ضعف القوانين الرادعة وتراجع المساءلة القانونية، إلى جانب سهولة التخفي عبر الحسابات الوهمية على منصات التواصل الاجتماعي، يسهم في تفاقم هذا النوع من الانتهاكات الرقمية.

وتوضح المحمد أن الخوف الاجتماعي من التبليغ، وتحميل الضحية مسؤولية ما تتعرض له من إساءة، إضافة إلى انخفاض الوعي بالأمن الرقمي وحماية الخصوصية، فضلاً عن الضغوط النفسية والاقتصادية الناجمة عن الأزمات المستمرة، كلها عوامل تعزز انتشار هذه الظاهرة.

تداعيات التحرش الإلكتروني
يؤدي التحرّش الإلكتروني إلى تداعيات سلبية متعددة تنعكس على حياة النساء، من أبرزها تعرّض الضحايا للانتقاد الاجتماعي وتحميلهن مسؤولية الانتهاكات التي تعرّضن لها، فضلاً عن تقييد مشاركتهن في الفضاء الرقمي والمجال العام بقرارات عائلية.

كما يخلّف هذا النوع من العنف الرقمي آثاراً نفسية واضحة، تتمثل في الشعور بالخوف والقلق المستمر من تكرار التعرّض لمثل هذه الممارسات، وما يرافق ذلك من انكماش اجتماعي وتراجع في الإحساس بالأمان.

تروي شهد المصطفى، 20 عاماً، من ريف إدلب الجنوبي، أنها تعرّضت لتحرّش إلكتروني بعد نشرها تعليقاً ناقداً على منشور مسيء لمظاهرات الثورة السورية، وتوضح أن أحد المعلّقين ردّ عليها بعبارات ذات طابع جنسي، قبل أن يقوم أحد معارفها بتوثيق التعليق وإرساله إلى والدها، ما دفع الأخير إلى إجبارها على حذف تطبيق فيسبوك لفترة، وتوبيخها بشدة، محمّلاً إياها مسؤولية ما حدث.

تقول سناء المحمد، 27 عاماً، وتقيم في مدينة الدانا بريف إدلب الشمالي، إنها تعرّضت لتحرّش إلكتروني عبر تطبيق واتساب عقب انضمامها إلى أحد المجموعات، وتضيف أن رقماً مجهولاً بدأ بالتواصل معها بشكل متكرر، دون أن تتمكن من تحديد هويته، الأمر الذي دفعها لاحقاً إلى تغيير رقم هاتفها تفادياً للمضايقات المستمرة.

الإطار القانوني لمكافحة التحرش الإلكتروني في سوريا
تقول نور عويس، باحثة قانونية في مؤسسة "حقي"، في تصريح خاص، إنه رغم عدم وجود قانون مستقل يختص بالتحرّش الإلكتروني، فإن القانون السوري يجرّم هذه الأفعال بشكل واضح من خلال عدة نصوص، أبرزها قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، الذي شكّل إطاراً قانونياً مهماً لملاحقة الجرائم المرتكبة عبر الشبكة.

وتشير إلى أن القانون جرّم عدة أفعال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، منها: التشهير، والقدح والذم الإلكتروني، والتهديد، والابتزاز، إضافة إلى نشر الصور أو البيانات الخاصة دون موافقة أصحابها، وتختلف العقوبات بحسب طبيعة الجريمة، وقد تصل إلى الحبس والغرامة المالية.

وتوضح الباحثة نور أن قانون العقوبات السوري يوفر إمكانية ملاحقة هذه الأفعال، ولا سيما المواد المتعلقة بالقدح والذم، والتحقير، والتهديد، وانتهاك الحياة الخاصة، ويُحاسَب الفعل كجريمة متى توفرت الأدلة، حتى إذا ارتُكب عبر وسيلة إلكترونية.

خطوات عملية لمواجهة التحرش الإلكتروني وحماية الحقوق
تحدثت نور عويس عن الخطوات العملية التي يمكن للمرأة اتخاذها لمواجهة التحرش الإلكتروني، وأولها توثيق الأدلة، عبر الاحتفاظ بصور شاشة للرسائل أو التعليقات المسيئة، وتسجيل أسماء الحسابات والروابط والتواريخ، مع التأكيد على عدم حذف المحتوى قبل توثيقه، إذ إن غياب الدليل يصعّب تحريك أي دعوى قانونية.

وتشمل الإجراءات أيضاً الحماية التقنية الفورية، مثل حظر الحساب المسيء، والإبلاغ عنه عبر المنصة، وضبط إعدادات الخصوصية للتحكم بمن يمكنه التواصل أو الاطلاع على المحتوى، ونوهت عويس إلى أن هذه الخطوات لا تُسقط الحق القانوني، لكنها تحدّ من الأضرار وتقلل من استمرار الانتهاكات.

وأضافت أنه في حال الرغبة في الملاحقة القانونية، يمكن تقديم شكوى رسمية لدى النيابة العامة أو فرع الجرائم المعلوماتية في المحافظة، مع إرفاق الأدلة الرقمية وبيان الضرر النفسي أو الاجتماعي الناتج عن الفعل.

ونصحت بعدم مواجهة المتحرش بشكل منفرد أو عاطفي، واللجوء إلى الدعم القانوني والمجتمعي، عبر استشارة محامٍ أو محامية إن أمكن، أو التواصل مع منظمات المجتمع المدني والمبادرات النسوية الداعمة.

وتؤكد في ختام حديثها أن التحرش الإلكتروني جريمة كاملة الأركان، ولا ذنب للضحية فيها تحت أي ظرف، فالصمت لا يحمي، بينما تمثل المعرفة القانونية قوة حقيقية للنساء، ويُعد نشر الوعي بالحقوق وآليات الحماية خط الدفاع الأول في مواجهة هذا النوع من العنف الرقمي.

 

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ