غلاء المعيشة يضغط على السوريين في رمضان
غلاء المعيشة يضغط على السوريين في رمضان
● محليات ٢٢ فبراير ٢٠٢٦

بين الأرقام الرسمية وواقع الأسواق… غلاء المعيشة يضغط على السوريين في رمضان

عاد ملف غلاء المعيشة إلى الواجهة بقوة، مع حلول شهر رمضان المبارك، في ظل فجوة متنامية بين الأرقام الرسمية المعلنة حول تراجع بعض الأسعار، وبين واقع الأسواق الذي يصفه مواطنون بأنه غير منطقي وسط ارتفاعات متسارعة في السلع الأساسية وتقلبات في سعر الصرف وانعكاساتها المباشرة على القدرة الشرائية.

ونشرت وزارة الاقتصاد والصناعة مقارنة تحت عنوان "مقارنة أسعار مواد السلة الرمضانية قبل التحرير وبعد التحرير"، تناولت أسعار 10 مواد غذائية فقط بين أعوام 2024 و2025 و2026، وأشارت إلى نسب انخفاض تراوحت بين 9% و55%.

غير أن المقارنة أثارت انتقادات واسعة، إذ اعتبر متابعون أنها انتقائية ولا تعكس الصورة الكاملة للأسواق، لكونها لم تشمل مواد أساسية شهدت ارتفاعات ملحوظة، مثل الخبز والغاز، وعدداً كبيراً من أصناف الخضار والفواكه واللحوم والزيوت.

كما رأى معلقون أن التركيز على نسب الانخفاض دون ربطها بمستوى الدخل الحقيقي للمواطنين أو بمؤشر تكلفة المعيشة، يُنتج قراءة جزئية قد لا تلامس الواقع اليومي للأسر، وطالب منتقدون الوزارة بالاعتراف بحجم أزمة الغلاء والعمل على معالجات عملية، بدلاً من الاكتفاء بعرض مؤشرات محدودة لا تعكس مجمل حركة الأسعار في السوق.

في سياق متصل، رد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار عبر صفحته في "فيس بوك"، على موجة الانتقادات والتعليقات التي طالته بعد مناشدته للتجار التحلي بالرأفة والإنصاف في التسعير.

وأكد أن القانون ضروري لكنه لا يكفي وحده لضبط الأسواق، معتبراً أن الأسواق لا تُضبط فقط بالغرامات بل تُضبط أولاً بالضمائر مشدداً على أن الحزم في تطبيق القانون واجب وسيُمارس ضمن الصلاحيات المتاحة، وأوضح أن الدولة لا تستطيع وضع مفتش على باب كل متجر، وأن مناشدته للضمير لا تعكس ضعفاً بل إيماناً بأهمية الأخلاق في أوقات الشدة.

ومع الأيام الأولى من رمضان، سجلت الأسواق ارتفاعات قياسية في أسعار الخضار والفواكه والسلع الأساسية، ما أثار موجة غضب واسعة وتساؤلات حول فعالية الرقابة التموينية.

من جانبه، أكد مدير المكتب الإعلامي في وزارة التجارة الداخلية "عبد الله حلاق"، في تصريحات صحفية، أنه لا يوجد غياب للرقابة، مشيراً إلى أن العمل الرقابي تضاعف خمسة أضعاف منذ ما قبل رمضان، وأن السوق المحلية تعمل وفق مبدأ المنافسة الحرة دون تسعير إلزامي، على أن تقتصر الرقابة على إلزام البائعين بالإعلان الواضح عن الأسعار.

وأوضح أن المديرية خصصت أرقام شكاوى وباركود خاصاً بالمحال لتسهيل الإبلاغ عن المخالفات، وأن مخالفات تُنظم بشكل فوري بحق من يبالغ في الأسعار، كما كشف عن ضبط محتكرين بنسبة 45% خلال الأيام التي سبقت رمضان، في إطار تحركات ميدانية لمواجهة ظاهرة التخزين.

وأعلنت الوزارة عن خطة إسعافية لضبط الأسواق خلال رمضان، تتضمن إطلاق أسواق الخير في دمشق وريفها، ثم التوسع إلى حماة وحمص، ولاحقاً باقي المحافظات، بهدف توفير سلع بأسعار مناسبة وتخفيف الضغط عن المواطنين.

كما يجري العمل، وفق المسؤولين، على خطة إصلاح شاملة لإعادة هيكلة منظومة الرقابة، ورفع الجاهزية اللوجستية، واعتماد نظام متابعة إلكتروني يضمن شفافية أكبر في رصد حركة الأسعار.

إلا أن مطلب نشر قائمة يومية بأسعار استرشادية قوبل بالرفض، حيث أكد حلاق أنه لا يوجد شيء اسمه تسعير وإنما إلزام بالإعلان عن السعر، ما يعني استمرار العمل وفق آلية السوق الحرة دون تحديد سقوف سعرية.

بالتوازي مع هذه التطورات، سجلت سوق الصرف قفزة جديدة بوصول الدولار إلى 117.80 ليرة جديدة، مقابل تمسك المصرف المركزي بسعر رسمي عند 111 ليرة، في ظل استمرار عملية استبدال الكتلة النقدية المقدرة بـ42 تريليون ليرة.

هذا الارتفاع انعكس مباشرة على الأسواق، حيث لم تنخفض الأسعار مع فترات تراجع الصرف، لكنها سارعت إلى الارتفاع مع أول موجة صعود، ما يعمّق الشعور بعدم الاستقرار ويزيد من لجوء بعض التجار إلى التحوط عبر التسعير المرتبط بتوقعات مستقبلية لا بالواقع الفعلي.

كما لم يظهر الأثر التقليدي لحوالات المغتربين خلال رمضان في تهدئة السوق، إذ يبدو أن الطلب المتزايد والمضاربات امتصت تلك التدفقات، ما حرم الليرة من عامل دعم موسمي كانت تعول عليه.

كانت قدّرت جمعية حماية المستهلك أن الأسرة المؤلفة من خمسة أفراد تحتاج بين 66 و90 ألف ليرة جديدة لتأمين وجبتي السحور والإفطار طوال رمضان، أي ما يعادل 6.6 إلى 9 ملايين ليرة قديمة.

وبحسب تقديرات الجمعية، تتراوح تكلفة السحور اليومية بين 700 و1000 ليرة جديدة، فيما تصل كلفة الإفطار إلى ما بين 1500 و2000 ليرة يومياً، ما يضع عبئاً متزايداً على الأسر، خاصة مع استمرار تقلب الأسعار.

وأظهرت جولات ميدانية ارتفاعات حادة، إذ تجاوزت زيادة سعر الكوسا 100% خلال أسبوع واحد لتصل إلى نحو 300 ليرة جديدة للكيلوغرام، فيما تخطت البندورة 100 ليرة، والخيار 120 ليرة، والباذنجان 140 ليرة، والفاصولياء 250 ليرة، كما بلغ التفاح 170 ليرة والبرتقال 150 ليرة، وسط زيادات في الليمون والكيوي، مقابل استقرار نسبي لبعض الأصناف.

ويذكر أن المشهد الحالي بات يعكس معادلة معقدة سوق توصف بأنها حرة ومفتوحة، رقابة تؤكد حضورها، وخطط إسعافية غير مجدية لضبط الأسواق المحلية، في مقابل قدرة شرائية متآكلة وسعر صرف متقلب وطلب موسمي مرتفع، مع استمرار غلاء الأسعار بشكل متواصل.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ