حالات الانتـ ـحار في سوريا: ما بين ضغوط الحياة وتفتت الروابط الأسرية
تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثق لحظة إنقاذ شاب أثناء محاولته الانتحار من سطح أحد المباني في حي باب شرقي بالعاصمة السورية دمشق، ما أثار تفاعلاً وأعاد الحديث عن حالات الانتحار التي تكررت خلال السنوات الماضية.
ويأتي انتشار هذا الفيديو في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تكرار حوادث مشابهة، إذ يؤكد براء الجمعة، المختص في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، تزايد هذه الحالات خلال السنوات الأخيرة، استناداً إلى متابعته الميدانية.
واقع الإحصائيات والبيانات
ويقول إن الأرقام الرسمية غالباً ما تظل قاصرة عن الإحاطة بالحجم الحقيقي للظاهرة بسبب الحرج الاجتماعي والوصمة التي تلاحق العائلات، لكن البيانات المتاحة من جهات الرصد المستقلة والمشافي تشير إلى تصدّر فئتي الشباب واليافعين لهذا المشهد المؤلم، مما يؤكد الحاجة إلى شفافية مجتمعية ومؤسساتية أكبر في البيانات، للتمكن من بناء استراتيجيات وقائية حقيقية.
الأسباب النفسية والاجتماعية
وفيما يتعلق بالأسباب التي تدفع الأشخاص إلى الانتحار، يشير الجمعة إلى أنها ضفيرة معقدة من الضغوط، أبرزها انسداد الأفق والدوران في حلقة مفرغة من تأمين "البقاء" دون قدرة على النمو، ما يُفقد الحياة معناها.
كما يلعب العجز الاقتصادي دوراً مهماً، إذ يؤدي إلى "كسر النفس"؛ فعندما يعجز الأب أو الشاب عن تأمين "كسرة الحياة" يفقد الاطمئنان الداخلي، إلى جانب تفتت الحاضنة الاجتماعية وغياب الروابط الأسرية الداعمة بسبب الهجرة والشتات، ما جعل المجتمع جزراً معزولة يواجه فيها الفرد مصيره وحيداً.
المسؤولية المؤسساتية وحقوق المواطن
ويشير الجمعة إلى أنه لا يمكن إلقاء اللائمة على الفرد وحده؛ فالصحة النفسية نتاج بيئة ترعى الحقوق، مضيفاً أن على المؤسسات توفير مراكز دعم نفسي مجانية وخطوط ساخنة للتدخل السريع.
ويشدد على أن الأمان المعيشي، والحق في العمل، والكرامة المادية، هي أساس الأمان النفسي، إذ لا يمكن مطالبة الناس بالصمود وهم يفتقدون إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، إلى جانب عدالة الرعاية؛ فمن حق القاطنين في الأرياف والخيام الحصول على رعاية تخصصية مساوية لتلك المتاحة في المدن، بما يحد من الشعور بـ"التخلي المؤسساتي".
نصائح للأهالي والإشارات التحذيرية
وينوه المختص براء إلى أن هذه الظاهرة تترك شرخاً عميقاً في وجدان العائلة (شعور دائم بالذنب) وتؤدي لنزيف في طاقة المجتمع وقدرته على النهوض، وتتحول القصص إلى عدوى صامتة من الإحباط الجماعي إذا لم تُعالج الجذور.
وينصح الأهالي بجعل البيت "مساحة آمنة" للاستماع بـ تأني دون سخرية أو محاكمة، والانتباه إلى "اللغة الصامتة" قبل فوات الأوان، والانعزال المفاجئ وفقدان الشغف بالأشياء الممتعة، إلى جانب التلميح بالرحيل أو القول بأن وجودهم أصبح "عبئاً" على الآخرين، فضلاً عن تبدل المزاج الحاد واضطرابات النوم والأكل (تعبيرات الجسد عن فقدان السكينة).
ويؤكد براء الجمعة في ختام حديثه إلى أن الوقاية تبدأ بكلمة طيبة وببيئة تصون الكرامة، منوها إلى الحاجة إلى لثقافة مساندة تجعل من كل فرد من المجتمع "حارس أمان" للآخر.